تسهيل جوّي أميركي يُمهّد لضغوط مالية... التفاوض يراوح و"حزب الله" يستدرج العقوبات

بينما تتجه الأنظار إلى التطورات الإقليمية واحتمالاتها في المنطقة حرباً شاملة أو تسويات، يستمر لبنان بالمراهنة على ما ستقدمه الإدارة الاميركية من أوراق داعمة، إن كان في جولة تامبا العسكرية غير المحسومة، أو من خلال ضعوط تفرض على إسرائيل وقف عملياتها الأمنية ومنعها من توسيعها على أبواب الانتخابات.
جاء قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلغاء 4 قراراتٍ رئاسية صدرت بين عامَي 1985  و2007، تمهيداً لاستئناف الرحلات المباشرة بين بيروت والولايات المتّحدة، ليمنح الدولة اللبنانية ورقة دعم تعزز وضعها الداخلي، لكنها تمهّد وفق مصادر ديبلوماسية للضغط لتنفيذ التزاماتها، ومزيد من التنسيق بين الخزانة الأميركية والمؤسسات الرسمية لتجفيف تمويل "حزب الله". وهذا القرار لا ترجمة سياسية له في المفاوضات لانتزاع انسحاب إسرائيلي من مناطق تجريبية محتلة، إذ أن هذا الأمر معلق على أمن إسرائيل ومشاريعها، فيما تزداد المخاوف من أن يبقى الجنوب محتلاً لمدة طويلة تذكّر بالاحتلال الإسرائيلي قبل الـ2000، لكن هذه المرة بوضع أخطر بكثير من السابق.

الخطوة الأميركية يقابلها استمرار الضغوط في الجانب المالي، فقرار رفع الحظر عن الرحلات، لا يوقف التركيز الأميركي على إنهاء قدرات "حزب الله" المالية ومكافحة تمويله، وأيضاً نزع سلاحه وتفكيك بنيته كشرط لأي تقدم في المفاوضات مع إسرائيل، إذ جاء بيان الخارجية الأميركية رداً على حصول حزب الله على مبلغ 200 مليون دولار ليؤكد تشديد الخناق على موارده المالية من خلال العقوبات.
تتشدد الإدارة الأميركية في هذا الملف إلى أقصى الحدود، وهو ما ينعكس على وضع المفاوض اللبناني، إذ تفيد المصادر الديبلوماسية أن الولايات المتحدة ستضغط أكثر على الدولة لاتخاذ إجراءات ضد "حزب الله" بالتوازي مع القرارات التي تمنحها دعماً ولو محدوداً في ما يتعلق بالمؤسسة العسكرية. وتشير المصادر إلى أن الأميركيين مستاؤون من العجز الرسمي عن تطبيق قرارات سحب السلاح وتفكيك مؤسسات "حزب الله"، ومصادر تمويله. وهذا الموقف الأميركي كان قد تبلّغه رئيس الحكومة نواف سلام خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن. ولا تستبعد المصادر أن تعود الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات جديدة ضد أفراد وكيانات ومؤسسات على صلة بـ"حزب الله" في لبنان.
ضمن هذا الإطار، تراوح جولة تامبا العسكرية بين انعقادها في 20 الحالي، أو تأجيلها إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية، رغم أن التفاوض في الوقت الفاصل لن يحقق أي نتائج، لكنه بالنسبة للأميركيين هو تأكيد على استمرار التفاوض بين لبنان وإسرائيل ضمن الاتفاق الإطار الذي تصرّ واشنطن على أن يكون الناظم للعلاقات بين الجانبين.

وأمام الضغوط التي يتعرض لها لبنان حتى من الأوروبيين الذي يصرون أيضاً على حصر السلاح في إطار مبادرتهم لتدريب القوات المسلحة اللبنانية، فإن الدولة تصر على التفاوض كخيار وحيد أمامها انطلاقاً من رهانها على دعم أميركي لها، حيث سيطرح الوفد العسكري في مفاوضات تامبا في حال انعقدت انسحاب إسرائيل من مناطق تجريبية وانتشار الجيش اللبناني في محيط النبطية وصولاً إلى كفرتبنيت.
في ضوء التطورات، يحذر مصدر سياسي من استمرار المراوحة اللبنانية، ما يفتح على أزمة طويلة الأمد، إذ أن استمرار الوضع التفاوضي على حاله، خصوصاً مع رفض إسرائيل الانسحاب واشتراطها نزع شامل لسلاح الحزب، وفرض وقائع أمنية جديدة، يضع الجنوب أمام احتلال طويل الأمد، فيما يستمر الحزب بالمراهنة على تغييرات إقليمية وبعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية لتخفيف الضغوط عليه. لكن الأخطر هو مجاهرته بالحصول على الأموال وإعادة بناء قدراته، وكأنه يستدرج العقوبات، وهو ما يحرج الدولة ويشدد الضغوط أكثر على لبنان الواقع على خط الزلازل المستمر في المنطقة.