تشدّد أميركي يضع لبنان بين خيارَين: تفكيك "حزب الله" أو حرب إسرائيلية مفتوحة؟

تتجه الإدارة الأميركية إلى التشدّد أكثر في شروطها على لبنان لـ"نزع" سلاح "حزب الله"، وإن كانت المفاوضات مع إيران تدرجه في ما يتعلق بوقف الحرب. مؤشرات كثيرة كانت بارزة أخيراً تبدأ بفرض العقوبات الأميركية التي طالت أمنيين في الدولة، ثم اتهام وزير الخارجية ماركو روبيو الحزب بإثارة الفوضى، إذ تأتي قبل أيام من الاجتماع الأمني في البنتاغون في 29 أيار، لتطرح تساؤلات عن المسار الذي تريده الولايات المتحدة للبنان. وإذا كانت العقوبات تندرج ضمن إجراءات أعلنها الأميركيون من ضمن لائحة تشكل بداية لمرحلة قاسية أبلغت بها جهات لبنانية، فإنها تفتح مساراً جديداً من الضغوط لاتخاذ إجراءات حاسمة ضد "حزب الله" وتفكيك بنيته التنظيمية، بمعزل عن المسار الإيراني- الأميركي.  
تسعى واشنطن إلى إحداث فصل بين الأجهزة الرسمية وبين "حزب الله"، إذ تعتبر أن هناك ضرورة لإنهاء نفوذ الحزب في الإدارات، ثم إعادة تشكيلها من خارج هيمنة الحزب ومصالحه وصولاً إلى إحداث تغييرات في مراكز القوى والتوازنات السياسية في لبنان، وإن تطلّب ذلك رفع وتيرة الضغوط على الدولة للقطع مع "حزب الله". فأميركا غير راضية، وفق ما ينقل من أجواء عن مقاربة الدولة لعملية حصر السلاح عبر التفاهم، إذ إنها تريد تنفيذ القرارات المتخذة سابقاً ورفدها بإجراءات حاسمة حتى لو أدى ذلك إلى صدام مع "حزب الله".

 

وتطال الضغوط الملف المالي، إذ تريد الولايات المتحدة من خلال عقوباتها إيصال رسالة إلى المؤسسات بضرورة تجفيف مصادر تمويل "حزب الله" وإقفال النوافذ التي تسهل أعماله في المؤسسات. وقد أبلغ المسؤولون اللبنانيون وفق مصادر ديبلوماسية أن واشنطن ستتشدد أكثر في ملف التحويلات التي تغذي الحزب عبر قنوات خلفية.

 

الضغوط الأميركية تطبق على المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية في واشنطن، مترافقة مع تصعيد إسرائيلي مفتوح، بما يعني - وفق المصادر - أن واشنطن ستطرح في اجتماع المسار الأمني تشكيل لجنة أمنية لبنانية - أميركية - إسرائيلية، والطلب من الجيش تشكيل لواء يتولى مهمات خاصة جنوب لبنان، مع محاولات إسرائيلية للتنسيق أمنياً مع الجيش وتنفيذ مهمات مشتركة. بيد أن لبنان لا يزال متمسكاً بالثوابت التي طرحها الوفد برئاسة سيمون كرم في الجولة الثالثة، أي تثبيت وقف إطلاق النار، ورفض الابتزاز الإسرائيلي بتصعيد يشمل بيروت إذا لم يلتزم لبنان بالشروط، فيما تستمر المراهنة على دعم أميركي لموقفه وتفهّم واقعه. لكن الموازين ليست لمصلحته في الأجندة الأميركية، إذ لم يعد لبنان قادراً أمام الأميركيين على المناورة ضد الشروط التي تطلب الحسم ضد "حزب الله"، ولم يعد الوقت يعمل أيضاً لصالحه، حيث وضع لبنان بين أمرين: إما المشاركة في مسار أمني يؤدي إلى تفكيك الحزب، والتقدم في التفاوض نحو تفاهمات سياسية، وإما مواجهة تصعيد إسرائيلي شامل.

المأزق اللبناني مستمر داخلياً وخارجياً أمام الضغوط والانقسام الداخلي؛ فـ"حزب الله" يرفض المفاوضات المباشرة وما قد تُنتجه، ويراهن على المسار الإيراني - الأميركي، ويضغط على الدولة، لا بل يعمل على إضعافها أمام الشروط الإسرائيلية والضغط الأميركي، ويمنح إسرائيل المزيد من عناصر القوة في التفاوض أمام المفاوض اللبناني. ورغم ذلك يراهن لبنان على إحداث خرق في التفاوض، وإن كانت الدولة عاجزة على صوغ موقف صلب نتيجة الانقسام الداخلي، إلا أنها مصرة على البقاء في التفاوض، وتقاتل لعدم انهياره، وتغالب في الوقت نفسه محاولات تثبيت الأمر الواقع الإسرائيلي بالاحتلال. لكن الوقائع تشير إلى أن الضغوط قد تبلغ ذروتها على لبنان، حتى مع الصفقة بين أميركا وإيران.