المصدر: اللواء
الكاتب: صلاح سلام
الثلاثاء 20 كانون الثاني 2026 08:13:44
تعليق اجتماعات لجنة وقف العمليات العسكرية «الميكانيزم» إلى أجل غير محدد، لا يمكن فصله عن السياق الأوسع لمسلسل الخروقات الإسرائيلية المتواصلة منذ توقيع اتفاق 27 تشرين الثاني 2024. فالوقائع الميدانية والسياسية تشير بوضوح إلى أن هذا التعطيل ليس حدثاً إجرائياً عابراً، بل خطوة محسوبة في إطار سياسة إسرائيلية ثابتة تقوم على كسب الوقت، وتفريغ الآليات الرقابية من مضمونها، والتهرب المنهجي من أي إدانة أو مساءلة دولية.
إصرار الجانب الإسرائيلي على المماطلة في تحديد موعد الاجتماع المقبل، جاء مباشرة بعد موقف فرنسي واضح داخل اللجنة، طالب بإدانة الاعتداءات المتكررة على مواقع الجيش اللبناني وقوات «اليونيفيل». هذه الاعتداءات لم تعد محل التباس أو روايات متناقضة، بعدما اضطرت قيادة «اليونيفيل» إلى إصدار بيانات متتالية توثق بالصوت والصورة استهداف وحداتها في أكثر من موقع.
أمام هذا التوثيق، بدا تعطيل الاجتماعات بمثابة محاولة إسرائيلية مكشوفة اللهروب من الإحراج السياسي والدبلوماسي، ومنع تحويل الوقائع الميدانية إلى موقف دولي ضاغط.
بالنسبة لتل أبيب، تشكل لجنة «الميكانيزم» سيفاً ذا حدين. فهي تقبل بها طالما تساهم في ضبط الساحة اللبنانية وفق أولوياتها الأمنية، لكنها تسعى إلى تعطيلها أو تحييدها عندما تتحول إلى منصة لمساءلتها عن خروقاتها، أو عندما تفرض عليها قيوداً لا تنسجم مع استراتيجيتها القائمة على حرية الحركة العسكرية. لذلك، فإن تعليق الاجتماعات يعكس مناورة إسرائيلية في إبقاء الوضع على حافة التوتر، من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، مع الاستمرار في توجيه رسائل ضغط قاسية إلى لبنان، تحت عنوان منع حزب الله من إعادة بناء قدراته.
غير أن هذه السياسة تحمل في طياتها مخاطر جسيمة على الاستقرار الهش في لبنان. فتعطيل قنوات التواصل والرقابة، في ظل استمرار الاعتداءات، يرفع منسوب الاحتقان ويقلص هامش الضبط، ويضع الجيش اللبناني و«اليونيفيل» في موقع مكشوف، سياسياً وميدانياً. كما أنه يضعف الثقة بأي تفاهمات قائمة، ويغذي منطق القوة على حساب الالتزام بالقواعد والاتفاقات.
الأخطر من ذلك أن إسرائيل، عبر هذا السلوك، تسعى إلى تكريس معادلة مفادها أن الخروقات الممنهجة يمكن أن تمر من دون ثمن، طالما أن ميزان القوى يسمح بذلك. هذه المعادلة لا تهدد لبنان وحده، بل تضرب صدقية الدور الدولي برمته، وتطرح علامات استفهام جدية حول جدوى أي آليات رقابية إذا كانت قابلة للتعطيل بقرار أحادي من الطرف الأقوى.
الواقع إن تعليق اجتماعات «الميكانيزم» ليس سوى حلقة إضافية في سياسة تصعيد خبيثة، تستخدم الضغط العسكري والسياسي كأداة تفاوض غير مباشرة. لكن الاستمرار في هذا النهج يراكم عوامل الانفجار، ويجعل من الاستقرار القائم حالة مؤقتة وقابلة للاهتزاز في أي لحظة، ما لم تتحرك الإدارة الأميركية، لوضع حد فعلي لسياسات نتنياهو التي تتحدّى توجهات الرئيس الأميركي ترامب لإنهاء الحروب في العالم، وتحقيق السلام في المنطقة.