كشفت مصادر سياسية لبنانية لـ"إرم نيوز" أن الجولة المقبلة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في روما ستبحث تفاصيل خطة لإطلاق إعادة الإعمار وصرف التعويضات في المناطق التي تنسحب منها القوات الإسرائيلية تباعًا، بالتزامن مع بدء تطبيق اتفاق "المناطق التجريبية".
وأوضحت المصادر أن الخطة ستُنفذ وفق آلية تستبعد ميليشيا حزب الله ومؤسساتها من إدارة الأموال، أو تحديد المستفيدين، أو تنفيذ المشاريع.
وقالت المصادر المتابعة للترتيبات الجاري إعدادها تمهيدًا لمناقشتها في الاجتماع، إن الخطة لا تستهدف حرمان سكان الجنوب من التعويضات، بل تقوم على إيصال الأموال إلى المتضررين بصورة مباشرة.
وأضافت أن هذه الآلية تهدف إلى منع حزب الله من استعادة دوره التقليدي وسيطًا بين السكان والجهات المانحة، وهو الدور الذي عزز نفوذه الاجتماعي والسياسي طوال السنوات الماضية.
وأضافت أن إعادة الإعمار تحولت إلى أحد الملفات الرئيسة في المفاوضات، بعدما رأت الأطراف الدولية أن نجاح أي ترتيبات أمنية لن يكتمل إذا عادت ميليشيا حزب الله لاحتكار إدارة التعويضات والخدمات داخل بيئته.
وتأتي هذه الترتيبات قبل جولة جديدة من المفاوضات في روما مطلع آب، بعد بدء تنفيذ المرحلة الأولى من "المناطق التجريبية"، التي تقوم على انسحاب إسرائيلي تدريجي وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يتم إخلاؤها.
وتشير المعطيات المعلنة إلى أن الاجتماع سيبحث توسيع هذه الآلية مع تقدم الانسحابات الإسرائيلية.
وبحسب المصادر، تبدأ الآلية فور انسحاب القوات الإسرائيلية ودخول الجيش اللبناني، حيث تتولى فرق رسمية تسجيل كل أسرة متضررة بشكل منفصل، مع إعداد ملف يتضمن بيانات الملكية وحجم الأضرار وكلفة الترميم أو إعادة البناء.
وأكدت المصادر أن التسجيل لن يتم عبر لوائح تقدمها مؤسسات حزب الله أو الجمعيات التابعة له، كما لن يسمح لأي جهة حزبية بتحديد أسماء المستفيدين أو تقييم الأضرار.
وأوضحت أن البلديات ستقتصر مهمتها على تسهيل عمل الفرق الفنية وتوفير البيانات العقارية، بينما تبقى إدارة الملفات والقرارات المالية بيد الدولة والجهات المشرفة على المشروع.
أموال مباشرة ورقابة دولية
تشير المصادر إلى أن التعويضات ستدفع مباشرة إلى أصحاب المنازل أو إلى المقاولين المنفذين للأعمال، من دون المرور بأي مؤسسة حزبية، مع تقسيم الدفعات إلى مراحل مرتبطة بنسبة الإنجاز والكشف الفني.
وتضيف أن العملية ستخضع لرقابة دولية تشمل تدقيق المستفيدين، ومراجعة الشركات المنفذة، وآليات الصرف، بما يمنع استخدام شركات واجهة أو مؤسسات مرتبطة بحزب الله للوصول إلى أموال الإعمار.
وتنسجم هذه الآلية مع القواعد التي يعتمدها البنك الدولي في مشروعات التعافي داخل لبنان، والتي تقوم على الدفع المباشر، والرقابة على العقود، ومراجعة الإنفاق والمشتريات.
الإعمار مرتبط بانتشار الجيش
ووفقا للمصادر، فإن بدء إعادة الإعمار سيكون مرتبطا بانتشار الجيش اللبناني وتمتعه بحرية الحركة داخل المناطق التي ينسحب منها الجيش الإسرائيلي.
وقالت إن فرق المسح والإعمار لن تدخل أي منطقة قبل استكمال انتشار الجيش والتأكد من خلوها من المواقع العسكرية والذخائر ومخازن السلاح التابعة لحزب الله، كما سيحتفظ الجيش بحق الوصول إلى المواقع التي تستدعيها الضرورات الأمنية.
وأضافت أن الهدف من هذا الربط هو ضمان عودة سلطة الدولة بالتوازي مع عودة السكان، وعدم السماح بإعادة إنتاج الواقع الأمني السابق تحت غطاء إعادة الإعمار.
يقدر خبراء اقتصاديون لبنانيون أن تتجاوز كلفة إعادة إعمار الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع بعد الحرب الأخيرة 12 إلى 15 مليار دولار، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بالمنازل والبنية التحتية والمرافق العامة.
ويقول الخبراء إن توفير هذا التمويل لن يكون ممكنًا من جهة واحدة، بل عبر تحالف يضم البنك الدولي والاتحاد الأوروبي وفرنسا ودولًا مانحة أخرى، مع رهان على مساهمات خليجية في المراحل اللاحقة.
لكن هذه الجهات، وفق المواقف المعلنة خلال الأشهر الماضية، تربط أي تمويل واسع النطاق بجملة من الشروط، أبرزها تعزيز سلطة الدولة اللبنانية، وتنفيذ الإصلاحات المالية والإدارية، وفرض رقابة صارمة على آليات الصرف، وضمان عدم وصول أموال الإعمار إلى مؤسسات أو قنوات مرتبطة بحزب الله.
ويفسر ذلك، بحسب المصادر، الإصرار على اعتماد التسجيل الفردي للمتضررين، والدفع المباشر، والإشراف الدولي على تنفيذ المشاريع.
ترى المصادر أن معركة ما بعد الحرب لن تقتصر على السلاح، بل ستدور أيضا حول الجهة التي ستعيد بناء الجنوب وتدير التعويضات.
ففي حين تسعى الدولة والجهات الدولية إلى إنشاء علاقة مباشرة بين المواطن والمؤسسات الرسمية، يدرك حزب الله أن خسارة دوره في ملف الإعمار ستعني فقدان إحدى أهم أدوات حضوره داخل بيئته.
ولهذا، يتوقع المصدر أن يناقش اجتماع روما المقبل التفاصيل التنفيذية المتعلقة بآليات التسجيل والدفع والرقابة، إلى جانب ربط توسيع الانسحابات الإسرائيلية ببدء تنفيذ نموذج لإعادة الإعمار تديره الدولة والجهات الدولية مباشرة، بعيدًا عن أي وساطة حزبية.
ويهدف هذا النموذج إلى إعادة بناء الجنوب، وإعادة رسم العلاقة بين الدولة وسكانه، بعد سنوات من هيمنة حزب الله على ملف إعادة الإعمار.