تقرير إسرائيلي: تصعيد محتمل من جانب الحزب بإيعاز إيراني

ترفع إسرائيل مستوى استعدادها لاحتمال تجدّد التصعيد على الجبهة اللبنانية خلال الأسابيع المقبلة، انطلاقًا من تقديرات أمنية واستخبارية تعتبر أنّ إيران، الواقعة تحت ضغط اقتصادي ومالي متزايد، قد تلجأ إلى تفعيل حزب الله ضدّ إسرائيل، من دون الانجرار مباشرةً إلى مواجهة شاملة.

وبحسب ما نقلته صحيفة "إسرائيل هيوم" عن مسؤولين أمنيين واستخباريين إسرائيليين، يتزايد الاعتقاد في تل أبيب بأنّ طهران قد تستخدم حزب الله أداةً للضغط خلال المرحلة المقبلة، سواء لتعطيل الحياة اليومية في إسرائيل، أو لإرباك المناسبات المرتبطة بالأعياد، أو لإفشال المحادثات القائمة بين إسرائيل والحكومة اللبنانية.

إيران تتجنّب الحرب المباشرة؟

وبحسب الصحيفة، يرى مسؤولون إسرائيليون أنّ إيران لا تزال متخوّفة من الذهاب إلى مواجهة مباشرة وواسعة مع إسرائيل، الأمر الذي يجعل الساحة اللبنانية، وفق تقديراتهم، إحدى الأدوات المحتملة لممارسة الضغط من دون تحمّل كلفة الاشتباك المباشر.

وتقدّر الأجهزة الإسرائيلية أنّ طهران قد تفضّل استخدام حزب الله في عمليات محدودة أو تصعيد محسوب، يتيح لها توجيه رسائل إلى إسرائيل والولايات المتحدة من دون فتح حرب شاملة.

لكنّ السؤال الذي لا تزال المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحاول الإجابة عنه يتعلق بمدى استقلالية أيّ تصعيد محتمل في لبنان عن القرار الإيراني، وما إذا كانت العمليات التي قد ينفذها حزب الله ستبقى مرتبطة بالحسابات الميدانية المحلية، أم ستتحوّل إلى جزء من المواجهة الأوسع بين واشنطن وطهران.

مسيّرتا علي الطاهر تحت المجهر الإسرائيلي

وفي هذا السياق، توقفت "إسرائيل هيوم" عند إعلان الجيش الإسرائيلي إطلاق طائرتين مسيّرتين محمّلتين بالمتفجرات باتجاه قواته في منطقة مرتفعات علي الطاهر.

وتشير الصحيفة إلى أنّ إسرائيل لم تحسم حتى الآن ما إذا كانت الحادثة مرتبطة مباشرةً بالمواجهة الجارية في المنطقة وبالعمليات الإسرائيلية ضدّ حزب الله، أم أنّها تمثل مؤشرًا أوليًا إلى تصعيد أوسع جاء بتوجيه إيراني.

وهذا الغموض يكتسب أهمية إضافية في ظلّ حساسية الوضع في الجنوب، حيث يمكن لعملية محدودة أن تتحول سريعًا إلى ذريعة لتوسيع نطاق الردود الإسرائيلية.

كما أنّ حزب الله لم يعلن رسميًا مسؤوليته عن المسيّرتين، ما يجعل الربط بين الحادثة وبين قرار إيراني محتمل جزءًا من التقدير الإسرائيلي، لا حقيقة مثبتة.

الهدف الإسرائيلي: حماية المفاوضات من الميدان

وتولي إسرائيل أهمية خاصة لاحتمال استخدام التصعيد لإفشال المحادثات مع لبنان.

وبحسب "إسرائيل هيوم"، تعتقد الجهات الأمنية الإسرائيلية أنّ أحد أهداف أيّ تحرك إيراني عبر حزب الله قد يكون عرقلة المسار السياسي الجاري بين بيروت وتل أبيب.

وتأتي هذه المخاوف في وقت تحاول فيه الولايات المتحدة إعادة تنشيط المفاوضات اللبنانية، الإسرائيلية، فيما لا تزال الخلافات قائمة حول ترتيبات الجنوب وآلية الانسحاب الإسرائيلي والخطوات المطلوبة من الدولة اللبنانية.

وعليه، فإنّ أيّ تصعيد جديد سيعيد خلط الأوراق، لأنّه قد يسمح لإسرائيل برفع سقف شروطها أو إعادة ربط الانسحاب بالوضع الأمني، فيما يجد لبنان نفسه مجددًا أمام معادلة التفاوض تحت النار.

تنسيق أميركي- إسرائيلي لأيّ رد محتمل

ونقلت الصحيفة عن مسؤول إسرائيلي قوله إنّ احتمال التصعيد عبر حزب الله يُناقش مع الولايات المتحدة على المستويين الدبلوماسي والعسكري.

وبحسب المسؤول، فإنّ التعاون والتنسيق الوثيقين مع واشنطن يشكلان عنصرًا أساسيًا في أيّ رد إسرائيلي محتمل.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ظلّ المواجهة القائمة أصلًا بين الولايات المتحدة وإيران، إذ إنّ أيّ تحرك إسرائيلي واسع في لبنان يمكن أن يتحول بسهولة إلى جزء من الصراع الأميركي، الإيراني الأوسع.

وهنا يصبح القرار الإسرائيلي بشأن طبيعة الرد مرتبطًا ليس فقط بحجم العملية المحتملة، بل أيضًا بتقدير مصدر القرار، وما إذا كانت تل أبيب ستعتبر حزب الله المسؤول المباشر، أم ستذهب إلى تحميل إيران مسؤولية أيّ تصعيد.

حزب الله أم الضاحية أم إيران؟

وفق "إسرائيل هيوم"، تبحث إسرائيل مسبقًا في طبيعة الخيارات التي يمكن اعتمادها إذا تحقق سيناريو التصعيد.

وتطرح المؤسسة الأمنية، بحسب الصحيفة، أسئلة حول ما إذا كان الرد ينبغي أن يقتصر على استهداف حزب الله، أو أن يشمل الضاحية الجنوبية، أو أن ينتقل إلى استهداف إيران نفسها باعتبارها، وفق الفرضية الإسرائيلية، الجهة التي تقود التصعيد.

ومجرّد طرح هذه الخيارات يعكس مقدار الترابط الذي باتت إسرائيل تقيمه بين الساحة اللبنانية والمواجهة مع طهران.

فأيّ عملية في الجنوب قد لا تبقى، وفق هذا المنطق، محصورة في حدود الرد على حزب الله، بل يمكن أن تُقرأ بوصفها حلقة ضمن صراع إقليمي أوسع، ما يرفع تلقائيًا مخاطر انتقال التصعيد من جبهة إلى أخرى.

الاقتصاد الإيراني يدخل الحسابات الأمنية

ولا تفصل "إسرائيل هيوم" هذه التقديرات عن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة داخل إيران.

فوفق الصحيفة، أدى تشديد الضغوط الاقتصادية الأميركية إلى انخفاض قياسي في قيمة الريال الإيراني، الذي وصل إلى نحو 2.2 مليون ريال مقابل الدولار، بالتوازي مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتراجع القدرة الشرائية.

وتستند القراءة الإسرائيلية إلى فرضية مفادها أنّ تصاعد الضغوط الداخلية قد يدفع القيادة الإيرانية إلى استخدام أوراقها الإقليمية لتخفيف الضغط أو تغيير اتجاه المواجهة.

لكنّ العلاقة السببية بين الأزمة الاقتصادية واحتمال تفعيل حزب الله تبقى بدورها استنتاجًا إسرائيليًا، ولا توجد مؤشرات مستقلة تسمح بالجزم بأنّ تدهور الوضع الداخلي الإيراني سيقود تلقائيًا إلى تصعيد على الجبهة اللبنانية.

عقوبات أميركية إضافية على طهران

ويتزامن هذا المشهد مع توجه أميركي نحو تشديد الضغوط الاقتصادية على إيران.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنّ واشنطن تبحث توسيع الإجراءات ضدّ الدول والشركات المرتبطة بطهران، بما يشمل شركات الطيران والأنشطة البحرية والأصول الرقمية.

ونقلت الصحيفة أيضًا عن مسؤول دبلوماسي أنّ وزارة الخزانة الأميركية تعمل على تحديد الشركات المالية والمصارف التي ساعدت إيران على الالتفاف على العقوبات، تمهيدًا لاتخاذ إجراءات بحقها وعزلها عن النظام المالي الأميركي.

وهذه الضغوط تجعل الحسابات الإيرانية أكثر تعقيدًا، لكنّها في الوقت نفسه تزيد المخاوف الإسرائيلية من أن تحاول طهران الرد عبر ساحات لا تفرض عليها الدخول مباشرةً في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة أو إسرائيل.

لبنان أمام خطر تحوّله مجددًا إلى ساحة رسائل

وفي المحصلة، تكشف تقديرات "إسرائيل هيوم" عن اتجاه إسرائيلي واضح نحو ربط أيّ تحرك لحزب الله في الأسابيع المقبلة بالمواجهة مع إيران، حتى قبل وجود أدلة تثبت أنّ قرار التصعيد، إذا وقع، صادر فعلًا عن طهران.

وهذا الربط يحمل خطورة خاصة على لبنان، لأنّه قد يجعل أيّ حادث ميداني قابلًا للتفسير باعتباره جزءًا من مواجهة إقليمية، وبالتالي يرفع مستوى الرد الإسرائيلي ويضع المسار التفاوضي أمام خطر الانهيار.

فالمعضلة لم تعد محصورة في سؤال ما إذا كان حزب الله سيصعّد أم لا، بل في الكيفية التي ستفسّر بها إسرائيل أيّ عملية تقع على الجبهة اللبنانية.

وإذا بدأت تل أبيب التعامل مع التحركات الميدانية بوصفها تنفيذًا مباشرًا لقرار إيراني، فإنّ هامش احتواء الحوادث سيضيق، وستزداد احتمالات انتقال الرد من الجنوب إلى الضاحية، وربما إلى ما هو أبعد منها.

وبذلك، يبقى لبنان أمام خطر مألوف ومتجدد، أن يتحول جنوبه مرة أخرى إلى صندوق رسائل في مواجهة لا يملك قرارها، فيما تبقى صحة السيناريو الإسرائيلي نفسه رهناً بما ستظهره الوقائع خلال الأسابيع المقبلة.