المصدر: صوت بيروت انترناشونال
الكاتب: كلادس صعب
الأربعاء 3 حزيران 2026 13:13:40
لا يمكن قراءة المشهد اللبناني الراهن بمعزل عن ارتدادات السابع من أكتوبر؛ تلك الشرارة التي أشعلت فتيل المواجهة في ساحات طهران الممتدة من العراق واليمن وسوريا وصولاً إلى لبنان، حيث ترعرع “حزب الله”، الذي وُصف بـ”جوهرة التاج” في استراتيجية “ولاية الفقيه”.
وقد أصابت الضربات التي تلقاها الحزب صلب هيكليته البنيوية، بعد اغتيال الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وهو الذي أرسى دعائمه وثبّته كقوة فاعلة، ليس فقط على الساحة اللبنانية، إنما أيضاً في العواصم التي بسطت طهران نفوذها عليها. وانسحب ذلك لاحقاً على بنيته العسكرية بعد سلسلة الاغتيالات المتكررة والمركزة التي طالت قياداته، ممن عاصروا قاسم سليماني، مهندس تلك الساحات.
وأدى ذلك إلى تقويض مجهود سنوات طويلة حُفرت خلالها الأنفاق وجُهزت كمراكز انطلاق للوصول إلى حيفا. فاقتُلعت هذه الأنفاق مع القرى التي احتضنتها، وانفجرت المخازن تحت وطأة التكنولوجيا العسكرية المتقدمة للجيش الإسرائيلي، مخلفة دماراً محا معالم مناطق بأكملها.
ومع هذه التطورات، برزت خارطة جديدة، بات فيها جنوب الليطاني منفصلاً عن شماله، الذي أصبح بدوره مكشوفاً أمام الآلة العسكرية الإسرائيلية، التي لم تعد تعتمد بصورة أساسية على العنصر البشري للسيطرة. وفي ظل هذه المتغيرات، تصر طهران على التمسك بهذه الورقة، مستمرة في استنزافها حتى الرمق الأخير، وحتى آخر شاب من أبناء البيئة الحاضنة.
انهيار السطوة
في حديث لـ”موقع صوت بيروت إنترناشونال”، يشير محلل سياسي متابع لمسار “الثنائي” إلى أن لبنان يعيش اليوم تحولاً لم يشهده طوال فترة تحكم هذا الفريق بهيكلية الجمهورية.
ويؤكد أنه لا يمكن قراءة فصول هذا التراجع من دون التوقف عند التحالفات التي نسجها “الثنائي” مع القوى التي كان يتقاسم معها النفوذ والمكاسب. فقد تبدلت قناعات أطراف كانت تتغذى على هذا التحالف، فيما نأى البعض الآخر بنفسه مترقباً نهاية المرحلة.
وفي تلك الحقبة التي توهج فيها نجم الحلفاء، برز ما تعارف عليه إعلامياً باسم “الخليلين”: المعاون السياسي للأمين العام لـ”حزب الله” حسين الخليل، والمعاون السياسي لرئيس مجلس النواب النائب علي حسن خليل، باعتبارهما مفتاحي حلحلة العقد السياسية.
واختصر الرجلان مطبخ القرار وتقاسما الحصص، لا سيما خلال عهد الرئيس ميشال عون. وكان رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل من أبرز المستفيدين من تلك المرحلة، حيث أُغدقت عليه المناصب والمكاسب، وصولاً إلى الإمساك بوزارة الطاقة لسنوات، بكلفة تجاوزت أربعين مليار دولار.
وشكلت اللقاءات المغلقة في ميرنا الشالوحي والبياضة، إضافة إلى اجتماعات رئيس وحدة التنسيق والارتباط في الحزب وفيق صفا مع باسيل، الممر الإلزامي لرسم التوازنات السياسية وتثبيت تفاهم “مار مخايل”، الذي متّن العلاقة بين الحليفين رغم التعثرات المتكررة مع رئيس مجلس النواب نبيه بري.
تشتت المحور وتخلي الحلفاء
ويضيف المحلل السياسي أن الرئيس ميشال عون غاب اليوم عن المشهد السياسي الفاعل، رغم أن الحزب ضحّى بمرشحه الأساسي سليمان فرنجية سابقاً من أجل وصوله إلى الرئاسة.
ويستشهد في هذا السياق بعبارة نصر الله الشهيرة: “إذا كنتم تريدون حواراً جدياً حول الرئاسة، يجب أن يكون الحوار الأساسي مع المرشح الطبيعي الذي يدعمه فريقنا، والحرف الأول من اسمه العماد ميشال عون”، معتبراً أنها تشكل دليلاً واضحاً على ذلك المسار.
ويرى أن غياب عون لا يترك تأثيراً مباشراً على المشهد الحالي بقدر ما يعكس بداية أفول السطوة السياسية للحزب، الذي هندس السياسة اللبنانية مع حلفاء تركوه عند أول مفترق طرق بعدما فقد فائض قوته.
أما الشخصيات الأخرى التي شكلت دعامة إضافية لمنحه شرعية عابرة للطوائف والمذاهب، إلى جانب “التيار الوطني الحر” الذي اعتُبر في مرحلة ما “تسونامي مسيحياً”، فقد التزمت الصمت، فيما انتقل ما تبقى منها إلى الضفة المقابلة.
وأفقدت هذه التحولات “الثنائي” جزءاً كبيراً من قوته التقريرية والتفاوضية، حتى بات أقصى طموحه، وفق المحلل، الحصول على وقف لإطلاق النار عبر وساطات خارجية وحركة موفدين، سعياً إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه.
محاولات تفاوضية متعثرة
ويرى المحلل، في حديثه لـ”موقع صوت بيروت إنترناشونال”، أن المشهد الحالي يبدو مأساوياً بالنسبة إلى هذا المحور، إذ باتت أقصى أمنياته تثبيت وقف إطلاق النار عبر حركة الموفدين، التي تبدو متعثرة أمام المسار التفاوضي الصارم الذي رسمته إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب.
ويعتبر أن زمن المعادلات السابقة لم يعد صالحاً أمام سقف ترامب السياسي، الذي يتجاوز مفاهيم الماضي ويطمح إلى شرق أوسط جديد يفرض السلام بالقوة.
ويستشهد بما قاله وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس، أمام مجلس الشيوخ، عندما أكد أن “لا نزاع إقليمياً حقيقياً بين لبنان وإسرائيل، وأن حكومتي البلدين قادرتان على توقيع اتفاق سلام فوراً لأن إسرائيل لا تملك أطماعاً جغرافية، وأن حزب الله هو العقبة الوحيدة التي تزرع نفسها داخل الدولة وتتسبب بكل هذه المعاناة”.
ختاماً، لا يبدو أن جرعات الدعم السياسي التي تطلقها طهران، ولا الاتصالات الجانبية، وآخرها ما نقله رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، حين أكد له “عزم طهران على أن يكون العدوان على لبنان بنداً أساسياً وأولاً في مسار المفاوضات الجارية”، ستغير في المسار الذي رسمته إدارة ترامب.
ويقوم هذا المسار، بحسب القراءة المطروحة، على فصل الارتباط العضوي بين طهران و”حزب الله” من جهة، والدولة اللبنانية التي ساهم الحزب في هندسة هيكليتها السياسية من جهة أخرى.
وعلى الرغم من استمرار المسار التفاوضي من دون نتائج ملموسة حتى الآن، فإن الواقع الإقليمي الجديد لا يسمح، وفق هذه المقاربة، لـ”حزب الله” بالاستناد إلى جرعات المساندة الكلامية الصادرة عما تبقى من نظام “الولي الفقيه”. فآليات التحكم السابقة طُويت نهائياً، لصالح ترتيبات إقليمية جديدة تفرض واقعاً سياسياً لا مكان فيه لأدوات الماضي.