المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
السبت 29 آب 2026 01:26:05
ستة أشهر انقضت من عمر الحرب الأميركية على إيران. على ما يبدو، هي ستكون حرباً طويلة. المنطقة تتأثر بها وتنتظر نتائجها وتداعياتها. لبنان أحد أكثر المرتبطين بمجرياتها وتطوراتها. أحد لا يمتلك تصوراً واضحاً عن مسارها، ولا موعد انتهائها، لكنها حرب قد تطول، فيها بعض ما يشبه الحرب الروسية الأوكرانية؛ أي تبدأ ولا تنتهي إلا بسنوات طويلة.
تلجأ الولايات المتحدة الآن لتجنب الخيار العسكري لمصلحة الحصار الاقتصادي واستراتيجية الخنق أو العزل. هذا الحصار بحال استمر سينتج أزمات كثيرة داخل إيران وبينها وبين دول كثيرة تسعى معها طهران لعدم تطبيق العقوبات الأميركية. الصين إحدى أكثر الدول المتضررة ولا بد من انتظار موقفها. كذلك الأمر بالنسبة إلى روسيا التي حط فيها قبل أيام رئيس جهاز الاستخبارات الأميركية وبحث مع المسؤولين هناك بملفات الحرب الإيرانية، والحرب الأوكرانية وما بينهما من ملفات على مستوى العالم. كما أن الرئيس الصيني يحضر لزيارة الولايات المتحدة ولا بد أن يحمل مقترحاً أو صيغة.
سنوات طويلة
الرئيس الأميركي دونالد ترامب يقول إنه لا يهتم للوقت، وإنه مستعد لإطالة أمد الحصار، على الرغم من تركيزه على عبارة "عدم السماح لإيران بالحصول على سلاح نووي"، إلا أن أحد أهداف الحرب كان إسقاط النظام. وقد تحدث ترامب عن ذلك بنفسه إلى جانب غيره من المسؤولين الأميركيين. هنا قد تستخدم واشنطن الحصار الخانق لأجل تفجير الوضع داخل إيران، أو لأجل تكرار السيناريو السوري الذي أوصل إلى ترهل النظام وبنيته ومؤسساته وصولاً إلى انهياره، ولكن في إيران سيكون ذلك بحاجة إلى سنوات طويلة.
سوريا والممرات
خنق إيران، يخنق العالم أيضاً، وعلى الرغم من اضطرار الكثير من الدول الاستمرار في إرضاء الأميركيين، لكن هذه الدول ستكون بحاجة دائمة للبحث المستمر عن مسارات جديدة وخيارات بديلة عن مضيق هرمز، وهذا ما تبحثه عنه دول عديدة خصوصاً دول الخليج المعنية بتصدير النفط والغاز. تشهد المنطقة حركة متسارعة، يبقى عمقها سوريا، فقبل أيام زارت وفود سعودية العاصمة السورية دمشق حيث جرى توقيع اتفاقات جديدة على طرق وممرات ومعابر، وقبل فترة جرى الاتفاق بين السعودية وتركيا على إحياء خط الحجاز القديم.
مشكلة السويداء
إسرائيل أيضاً، لديها مشاريعها ومطامعها وطموحاتها. هي التي تريد أن تتسيد الطرق والمعابر، وأن يمر كل شيء عبرها، لذلكَ تواصل الضغوط العسكرية والسياسية على دول مختلفة من بينها لبنان وسوريا لاستدراجهما إليها. تصعّد إسرائيل ضد تركيا من خلال تصعيدها في سوريا، ويدعي المسؤولون الإسرائيليون بأنهم سيمنعون أي تقدم تركي على الأراضي السورية وأنهم يريدون محاربة النفوذ التركي وهذا ما أكده بنيامين نتنياهو قبل أيام. في المقابل، كانت تركيا قد حققت مكاسب استراتيجية في سوريا على الرغم من التصعيد الإسرائيلي، وأحد أهم المكاسب هو الاتفاق الذي جرى التوصل إليه لحل قوات سوريا الديمقراطية وإعادة تثبيت وحدة سوريا. تبقى الآن المشكلة العالقة في السويداء، التي يتم البحث عن صيغة حل لها. لكن إسرائيل قد تلجأ للمزيد من التصعيد، لأن هدفها قطع طريق دمشق مع جنوب سوريا، لقطع الطريق على المشروع السعودي التركي المشترك. هنا سيلقى الأمر على عاتق الأميركيين ومدى تأثير ضغطهم على إسرائيل.
مقايضة؟
حتى الآن تشير التسريبات والمعطيات إلى أن واشنطن تضغط على إسرائيل لعدم حصول أي احتكاك في سوريا أو مع تركيا، وتحرص على الاستقرار السوري وتمرير المشاريع التي تطمح إليها دمشق مع الرياض وأنقرة. من بين التسريبات، أن أميركا طالبت إسرائيل بضرورة وقف أي عمليات عسكرية لها في سوريا، بينما تل أبيب عرضت على الأميركيين بعض الأهداف التي تريد ضربها بشكل متقطع في غزة ولبنان. ربما يستخدم نتنياهو أسلوب المقايضة بين التهدئة في سوريا مقابل الضغط في لبنان خصوصاً من خلال شن عملية علي الطاهر أو استكمال عملية القضم البطيء. التصعيد الإسرائيلي تجاه لبنان متواصل، عسكرياً وسياسياً، ويبدو أنه مدعوم أميركياً إذ يتلاقى الجانبان على رفض أي صيغة تمديد لقوات اليونفيل، وحتى الآن لم يبرز أي اتفاق بشأن المناطق التجريبية أو آلية التحقق، وهذا ما يعني أن كل شيء سيكون معلقاً على تلبية الشروط الإسرائيلية. فالحرب الطويلة في إيران، على ما يبدو ستكون طويلة في لبنان أيضاً، بغض النظر عن شكلها ومدى اتساعها وحجمها.