حركة دبلوماسيّة في بيروت... وتحذير!

على وقع المعاينة الأميركية اللصيقة لأداء لبنان في ما خص شحنة متفجّرات «حزب الله»، والتربّص الإسرائيلي بجبهة الجنوب وما بعدها، والمحاولاتِ الخليجية والأوروبية لمنْع «أسوأ السيناريوهات» التي قد يشعلها خطأ كبير أو قرار كبير، بدا المشهدُ الداخلي أمام واقعٍ شديد الخطورة في ظلّ مؤشراتِ تَحَوُّل المتاريس السياسية بين السلطة والحزب إلى مواجهةٍ لاحت طلائعها على شكل خطوط حمر استباقية يَضعها الأخير بوجه الدولة ويَرسم معها حدوداً لاندفاعتها في ملف ترسانته الذي بات له ناظِمٌ رئيسي هو المفاوضات المباشرة بين بيروت وتل أبيب برعايةٍ أميركية والاتفاق الإطار الثلاثي الموقّع في 26 حزيران الماضي.

وإذ أَطَلَّتْ من واشنطن، مع اتصال وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو برئيس الجمهورية العماد جوزاف عون (مساء الجمعة)، مناخاتُ تَشَدُّد كبير بإزاء ملف الشحنة التي أعلن رئيس الدبلوماسية الأميركية وجوب «محاسبة جميع الجهات التي أمرت بهذه الشحنة ومَوَّلَتْها ووَجَّهَتْها»، مؤكّداً «أن إعادة المتفجّرات إلى«حزب الله»يَنْبغي استبعاده تماماً»، بدا أن الحزب ومن خَلْفِه إيران اختارا اتخاذ وضعيةَ «الدفاع الهجوميّ» وتوجيه رسالة من «ميدان» القمصان السود والدراجات النارية والانتشار «الأمني - المدني» لمحاصَرَةِ المسار القضائي في قضية الـ «سي فور» وأخواتها من متفجرات ومسامير وكرات معدنية كانت في طريقها الى الضاحية الجنوبية لبيروت.

وفي ظل تَحَوُّلِ الشحنةِ وتَعاطي الدولة اللبنانية مع الموقوفيْن فيها (الناقليْن)، في انتظار نتائج توسيع التحقيقات، مقياساً لمدى قدرتها على تطبيقِ الإطار «المُلَبْنَن» لملفّ حَصْرِ السلاح والذي أعطتْ إشاراتٍ الى أنها تريده «مَسْرَباً» لإخراجِ ترسانة الحزب شمال الليطاني من مَفاعيل «الاتفاق الثلاثي» 26 يونيو على قاعدة تجزئة الإطار الناظم، وإن في سياقِ «التبادُلية والمَرْحِلية والتزامنية»، فإنّ ردّ فعل «حزب الله» ليل الجمعة - السبت على عملية دهم للقوى الأمنية لمستودع أدوية غير صالحة (في محلة غاليري سمعان على تخوم الضاحية الجنوبية) تنفيذاً لاستنابة قضائية، ثم عراضة القمصان السود ومَسيرات الدراجات النارية في عدد من أحياء بيروت بديا مدجَّجيْن بأبعاد عابرة للحدَث الموْضعي.

«القضية الأمّ»

وفي تقدير أوساط مطلعة أنّ حزب الله تعمّد إعلان «نحن هنا» في الشارع، وبأسلوبٍ استحضرَ أدواتٍ أفضى وَهْجُها مطلع 2011 إلى إكمال عملية الانقضاض على حكومة الرئيس سعد الحريري آنذاك متكئاً على «اكتواء» بيروت في 7 مايو 2008 بالعمليةِ العسكرية للحزب فيها ومحاولته اقتحام الجبل والتي أتاحتْ له الحصول على «فدية» الثلث المعطّل في حكومات ما بعدها، لافتةً إلى أن هذه المشهدية موصولة بـ «القضية الأمّ» التي تشكّلها شحنةُ المتفجّرات المضبوطة بما هي مسألةٌ على تماسٍ مباشر مع ملف التفاوض وموجباته وأولى ترجماتٍ من الحكومة اللبنانية لقرارات حَظْرِ النشاط العسكري للحزب 2 آذار وسحْب سلاحه (آب 2025) وفق خطة مُمَرْحَلة أوقفتْها حرب مارس الماضي واشتملتْ على احتواء السلاح ومنْع نقْله حتى اكتمال التطبيق ومراحله.

ورأتْ الأوساط أنه بعد تحذير نائب «حزب الله» حسن فضل الله الدولة اللبنانية على خلفية ملف الشحنة من «مغبة التمادي في الإجراءات المتخذة ضد المقاومة»، وصولاً لإعلان المفتي الجعفري الممتاز أحمد قبلان أن «أيّ خطأ بخصوص المقاومة هو بحجم تدمير وسحق وحرق كل شبر من لبنان»، اختار حزب الله «تذخير» قضية مستودع الأدوية عبر تجمّع عشرات الشبّان (بعضهم مسلّحون) على متن درّاجاتهم الآلية حاولوا منْع القوّة التابعة لقسم المباحث الجنائية المركزية في قوى الأمن الداخلي من تنفيذ الدهْم (تنفيذاً لاستنابة النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج، بناءً على إحالة من وزير الصحة ركان ناصر الدين بسبب عدم توافر الشروط الصحية لتداولها).

ورغم عدم نجاح «مهمة الشبان» وخصوصاً بعد حضور قوة كبيرة من الجيش اللبناني لمؤازرة الدورية التي كانت محاصَرة، إلا أن «الرسالة» بدت واضحةً في ضوء أمرين عكسا أن واقعة غاليري سمعان ماهي إلا صدى لتأجُّج قضية شحنة المتفجرات «ومَن له أذنان فليسمع»:

* الأول بيان «حزب الله» الذي انطوى على محاولة «إحراج» للدولة واستحضارِ مفرداتٍ تَحمل إسقاطاتٍ من لغة ومضمونِ المفاوضات مع إسرائيل التي يرفضها بشدّة و«الاتفاق الإطار»، وخصوصاً لجنة التحقق من انسحاب اسرائيل من «المناطق التجريبية» وسحب سلاح الحزب.

فقد قال «حزب الله» إن حادثة غاليري سمعان مردها إلى تنفيذ دورية أمنية مداهمة «دون اعتماد الآلية المتفَق عليها» بينه وبين الجهات الأمنية، نافياً أي علاقة له بمستودع الأدوية أو محتوياته، موضحاً أن الدورية دخلت «منطقة ذات حساسية أمنية» من دون اتباع الآليةِ التي تراعي الوضع في الضاحية الجنوبية لبيروت، في ظل استمرار التهديدات والمخاطر الأمنية الإسرائيلية وما تفرضه من مَحاذير يدركها الطرفان ويحرصان على التعامل معها بمسؤولية.

- والثاني نفي نائب«حزب الله»إبراهيم الموسوي وجود استنابات قضائية بحق أيّ شخص من«حزب الله»في ملف المتفجرات، وقوله:«أوقِفوا تخرصاتكم وترهاتكم وشائعاتكم الكاذبة... لا استنابات قضائية بحق أحد من الحزب».

قضية شاحنة المتفجرات

واستوقف الأوساط المطلعة أن هذا النفي جاء بعد ما أوردته إحدى الصحف القريبة من «حزب الله» عن أن رئيس الجمهورية طلب من مخابرات الجيش التوسع في التحقيقات في قضية شاحنة المتفجرات، وبعدها بادر النائب العام التمييزي إلى إصدار استنابات قضائية لتوقيف رئيس لجنة الارتباط والتنسيق في الحزب حسين العبدالله ومساعده علي أيوب، على خلفية علمهما بالشحنة ومسؤوليتهما عن الأمر.

ومن هنا تم التعاطي مع ما جرى في غاليري سمعان ثم في شوارع بيروت التي جابتْها الدراجات النارية التابعة لمناصري الحزب وسط هتافات بشعارات حزبية، على أنه:

- بمثابة«تَمرينٍ»وإعلان«الإصبع على الزناد»في الداخل ونحوه في حال قررتْ الدولةُ المضيّ في استرداد زمام المبادرة أمنياً ودبلوماسياً: محلياً من حزب الله وتجاه الخارج من إيران التي تصرّ على«وحدة المسار والمصير»مع جبهتها.

- و«رصاصة تحذير»من تدحرج التحقيقات في ملف الشحنة (يطالب الحزب باستردادها على قاعدة أنها لمواجهة اسرائيل) نحو تحميل المسؤوليات هَرَمياً وفق سلسلةِ القيادة، كما تدعو واشنطن، وتالياً قطْع الطريق على أي إجراء بحق العبدالله وأي مسؤولين أرفع قد يُظْهِرهم التحقيق، عبر إرساء معادلة قديمة - جديدة تخيّر بين«السِلم الأهلي وحصر السلاح».

مكافحة التهريب

ولم يكن ممكناً فصْل توقيت تحريك الشارع عن معاني اتصال روبيو بالرئيس عون الذي أكّد لوزير الخارجية الأميركي «أن الجيش والقوى الأمنية تقوم بواجباتها كاملة في تطبيق القرارات المتعلقة بمنع المظاهر المسلحة ومصادرة الأسلحة والذخائر ومكافحة التهريب وما سجل في الأيام القليلة الماضية من اجراءات يندرج في هذا السياق»، لافتا إلى«أن الاجهزة القضائية تتابع كل الملفات التي تحال اليها ولن يكون هناك أي تَساهُل مع المرتكبين وان القوانين ستطبق من دون أي محاباة».

وفي الوقت الذي بدت الدولة أمام اختبارِ إضافي لجهة المضي في قضية الشحنة حتى النهاية، وسط تحرك القضاء لكشف المشاركين في محاولة التصدي لعملية الدهم في غاليري سمعان، لم يكن عابراً تنفيذ الجيش اللبناني اليوم السبت، انتشاراً في بيروت والضاحية الجنوبية أعلنت قيادته أنه«لحفظ الأمن، وشمل تسيير دوريات مؤللة وراجلة وإقامة حواجز ظرفية، لملاحقة المطلوبين والمخلّين بالأمن».

ولم يَحجب هذا العنوان إصرار واشنطن على إلغاء«قانون مقاطعة إسرائيل»اللبناني الصادر عام 1955، والذي اعتبر روبيو خلال الاتصال مع الرئيس عون أنه«يُستخدم بشكل متكرر في ملاحقات قضائية ذات طابع سياسي تعوق الخطوات الرامية نحو السلام»، داعياً إلى«إقامة قنوات اتصال مباشرة بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي لتجنب الصدامات؛ وهو ما من شأنه تقليل احتمالات سوء التقدير، والمساعدة في المضي قدماً نحو تنفيذ «الإطار الثلاثي» بشكلٍ متسلسل».

ورقة الاستقرار الداخلي

وإذ جاء هذا الموقف على خلفية الإخبار الذي تقدّم به أحد المحامين بحق السفيرة اللبنانية لدى واشنطن ندى حمادة معوض، التي تشكّل أحد أبرز أعضاء فريق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل، التي يقودها عن بُعد الرئيس عون ومعه رئيس الحكومة نواف سلام، فإنّ مجمل هذه الأجواء عَكَسَتْ حساسيةَ الوضع اللبناني الواقع عملياً بين ناريْن: إسرائيلية لا تَلجمها إلا ضغوط الولايات المتحدة ما دام حزب الله لم يفتح الجبهة مجدداً ولم ينخرط في إسناد ثانٍ لطهران في حال انفجرت جبهتها، وإيرانية ضِمْناً لتأخير القضم المتواصل لنفوذها في«بلاد الأرز»- وتالياً الحفاظ على ما أمكن من الأوراق بيدها لخوض المعركة الأخيرة - بفعل الخسائر العسكرية التي مُني بها الحزب الذي لم يعد أمامه إلا التلويح بورقة الاستقرار الداخلي.

وهذه المناخات تفسّر الحركة الخارجية في اتجاه لبنان الذي وصل إليه اليوم السبت، وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو ووزيرة الجيوش أليس روفو في زيارة ليومين (يلاقيان بعدها الرئيس ايمانويل ماكرون في جولته الخليجية) ستتناول الوضع في الجنوب وآليا الوجود الدولي فيه بعد انتهاء ولاية «اليونيفيل» آخر السنة، في ظل رفض واشنطن أي تجديد لـ«القبعات الزرق»أو تشكيل قوة بديلة تحت راية الأمم المتحدة تعتبر واشنطن أنها سـ«تأكل من صحن»آلية التحقّق الناظمة لـ«الاتفاق الإطار»وتؤخّر هدف التنسيق المباشر بين لبنان وإسرائيل.

وقد أوضحت الخارجية الفرنسية أن الهدف من زيارة بارو وروفو هو«تجنب حدوث فراغ أمني في الجنوب نراه بالغ الخطورة»بعد انتهاء ولاية«اليونيفيل»، إضافة إلى دعم تنفيذ الاتفاق الإطاري المُبرم بين لبنان وإسرائيل برعاية الولايات المتحدة، وقالت:«من الضروري دعم هذه العملية. وهذا يستدعي الإبقاء على وجود دولي لمواكبة القوات المسلحة اللبنانية وقوى الأمن الداخلي ودعمها. ويكمن التحدي تالياً في تحديد آليات هذا الوجود الدولي اعتباراً من الأول من يناير 2027».

وإذ تحدّثت صحيفة«النهار»اللبنانية عن زيارة مرتقبة الأسبوع الطالع لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، بقيت محادثات رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني مع كبار المسؤولين اللبنانيين محطّ تقويمٍ في ضوء موقع الدوحة كوسيط في أكثر من ملف ولا سيما على جبهة إيران، وكذلك بفعل ما عبّرتْ عنه نتائج هذه المحطة من احتضانٍ لبيروت واستعدادٍ لرفْدها بالأدواتِ الفورية للتعافي، خصوصاً في ملف الطاقة المستعصي منذ عقود، ما يَستوجب حُكْماً أن يَبقى بمنأى عن أي انزلاقٍ لحربٍ جديدة.

وكان رئيس الوزراء القطري قال بعد لقائه الرئيس سلام:«اتفقنا على وضع إطار شامل للتعاون في مجال الطاقة وتقديم حلول متكاملة، بحيث يكون هناك مشروع استثماري ضخم يعود بالنفع على الاقتصاد اللبناني والجهات القطرية المشاركة».

وأعلن سلام«اقتراب التوصّل إلى مشروع قطري (على طريقة الـ BOT) لإعادة تأهيل البنية التحتية للكهرباء وتطويرها وتحديثها، تتولّى الدوحة تمويله وتنفيذه وتشغيله من دون أن تتحمّل الخزينة اللبنانية أيّ كلفة مسبقة، بهدف زيادة الإنتاج وخفض الكلفة وتحسين الإدارة».

«نقاش صريح» بين رجي وعراقجي في بغداد

أجرى وزير الخارجية اللبناني يوسف رجي«نقاشاً صريحاً في مختلف المواضيع»مع نظيره الإيراني عباس عراقجي.

وجاء اللقاء على هامش اجتماعات الدورة الثانية والخمسين لمجلس وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة في بغداد، حيث أوضحت الخارجية اللبنانية أن الاجتماع جرى خلاله ايضاً«التداول في سبل معالجة الأمور العالقة بين البلدين».

من جهتها، أوردت وكالة«تسنيم» الإيرانية أنّ المباحثات بين عراقجي ورجي «تناولت أهم القضايا المتعلقة بالعلاقات الثنائية، بالإضافة إلى التطورات الإقليمية».

وكان رئيس الحكومة اللبناني نواف سلام ورجي التقيا على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان وعراقجي حيث طلب سلام رسمياً تعيين سفير إيراني جديد لدى بيروت بهدف ترسيخ علاقة «من دولة إلى دولة»، وذلك بعدما كان وزير الخارجية اللبناني رفض في 24 مارس اعتماد السفير محمد رضا شيباني وأعلنه «شخصاً غير مرغوب فيه» وطلب منه المغادرة خلال خمسة أيام على خلفية اتهامات بتجاوز الأعراف الدبلوماسية والتدخل في الشؤون الداخلية، ولكن طهران تمرّدت على القرار وأبقتْه في لبنان إلى أن انتهت مدة تأشيرته أواخر آب فاضطُر للتسليم بنزْع لبنان «النجوم الدبلوماسية» عنه وطلب تجديد إقامته بصفة مدنية.