المصدر: نداء الوطن
الكاتب: جان فغالي
الاثنين 5 تشرين الأول 2026 07:47:13
عندما قرر "حزب الله" في الثامن من تشرين الأول 2023 فتح جبهة الجنوب تحت عنوان "إسناد طوفان الأقصى"، أراد أن يقدم نفسه شريكًا في صناعة ما اعتبره "تحولا تاريخيًّا" في الصراع مع إسرائيل. يومها، تحدث قادته عن وحدة الساحات، وعن تغيير قواعد الاشتباك، وعن معركة سترسم ملامح شرق أوسط جديد. لكن بعد ثلاث سنوات، لم يبقَ من تلك الوعود سوى ذكرى ثقيلة، فيما تحولت شعارات النصر إلى وقائع هزيمة دفعت غزة ولبنان أثمانها الباهظة.
في السياسة كما في الحروب، تُقاس النتائج بالحصيلة النهائية لا بالخطب والشعارات. والحصيلة اليوم واضحة. غزة تعرضت لدمار غير مسبوق، و "حماس" خرجت من الحرب أضعف مما كانت عليه، فيما وجد "حزب الله" نفسه أمام واقع مختلف جذريًّا عن ذلك الذي رسمه لجمهوره. فبدلا من تثبيت معادلة ردع جديدة، دخل في مواجهة كشفت نقاط ضعفه العسكرية والأمنية والسياسية، وأظهرت أن كثيرًا من المسلمات التي بنى عليها استراتيجيته لم تعد صالحة.
لقد أخطأ "الحزب" في تقدير عدوه، وأخطأ في تقدير البيئة الإقليمية والدولية، وأخطأ قبل ذلك كله في تقدير قدرة لبنان على تحمّل تبعات حرب جديدة. تعامل مع الأحداث بعقلية المنتصر مسبقًا، لا بعقلية من يزن الأرباح والخسائر. افترض أن إسرائيل ستبقى مقيدة بالمعادلات القديمة، وأن الجبهة الجنوبية ستمنح غزة هامشًا استراتيجيًّا واسعًا. لكن ما حدث أن الحرب استمرت، والدمار اتسع، فيما تحولت القرى الجنوبية اللبنانية إلى ساحات مفتوحة للخسائر والنزوح والتدمير.
المفارقة أن "الحزب" الذي برر تدخله بحماية لبنان وردع الأخطار عنه، انتهى إلى جر لبنان نحو واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخه الحديث. آلاف العائلات دفعت ثمن التهجير، وبلدات بكاملها أصابها الدمار، والاقتصاد اللبناني المنهك أصلا تلقى ضربة إضافية، فيما لم يحصل اللبنانيون على أي تفسير مقنع يشرح لماذا كان من الضروري أن يتحملوا كلفة حرب لم يقررها مجلس النواب ولا الحكومة ولا الشعب اللبناني.
الأخطر أن "الحزب" لم يكتفِ بالخطأ، بل رفض الاعتراف به. فبعد كل الخسائر، لم تظهر أي مراجعة حقيقية، ولم يجرِ أي نقاش جدي حول جدوى قرار الإسناد أو نتائجه. وكأن المطلوب من اللبنانيين أن يدفعوا الثمن بصمت، فيما يستمر أصحاب القرار في تكرار السردية نفسها التي سبقت الحرب.
ثلاث سنوات مرت على "إسناد طوفان الأقصى"، لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا أُسند فعليًّا؟ هل أُسندت غزة أم أُضيفت مأساة جديدة إلى مآسيها؟ هل أُسند لبنان أم دُفع إلى مزيد من العزلة والخراب؟ وهل عزز "الحزب" موقعه أم كشف حدود قوته وقدرته على فرض معادلاته؟
الواقع أن ما بدأ تحت عنوان "الإسناد" انتهى إلى سلسلة من الهزائم المتراكمة. خسرت غزة، وخسر لبنان، وخسر "الحزب" جزءًا كبيرًا من الصورة التي بناها طوال عقود باعتباره قوة تعرف متى تحارب ومتى تمتنع عن الحرب. أما النتيجة الأوضح، فهي أن القرار الذي قُدم بوصفه خطوة استراتيجية تاريخية، سيسجله كثيرون باعتباره واحدًا من أكبر الأخطاء السياسية والعسكرية في تاريخ "الحزب".
وفي الذكرى الثالثة، لا يبدو المشهد مشهد انتصار أو إنجاز. إنه مشهد مشروع راهن على القوة وحدها، وتجاهل الوقائع، واعتقد أن الإرادة تكفي لتغيير موازين القوى. وعندما انقشع غبار المعارك، لم يبقَ من "طوفان الأقصى" بالنسبة إلى لبنان سوى طوفان من الخسائر، ومن الأسئلة التي ما زالت تنتظر جوابًا.