حزب الله يحاول أن يعدل بين أربع!

في حسابات تأليف الحكومات منذ ما بعد اتفاق الدوحة الذي أتى عقب انقلاب ٧ ايار، سادت معادلة وزير لكل أربعة نواب. وبعد كسرها في العهد الحالي، يأمل حزب الله من الانتخابات  النيابية ليس فقط استعادة قدرة التعطيل عبر احتكار التمثيل الشيعي والتذرّع بالميثاقية، بل إلى احياء الثلث المعطّل أيضاً. من هذا المنظور، يعمل حزب الله على مقاربة انتخابية تتجاوز مجرد تثبيت حضوره، إلى بناء كتل نيابية حليفة تُترجم حكوميًا.


فإذا كانت الحكومة مؤلفة من 24 وزيرًا، فإن الثنائي الشيعي ينال، بحكم احتكار التمثيل بقدرة السلاح، خمسة وزراء. غير أن الثلث المعطّل الذي يعيد للحزب قدرة فرض مشيئته في السلطة التنفيذية يحتاج عمليًا إلى أربعة وزراء إضافيين يدورون في فلكه السياسي، حتى لو لم يكونوا محسوبين مباشرة ضمن حصته.


الوزير الأول يُفترض أن يأتي عبر كتلة سنّية حليفة. لذلك يجري العمل على تأمين أربعة نواب سنّة موالين، بحيث يطالبون بتمثيلهم بوزير في الحكومة، يكون سياسيًا في موقع الحليف.
الوزير الثاني يُراد له أن ينبثق من كتلة نيابية للحزب السوري القومي الاجتماعي. فتمكين القومي من حصد عدد كافٍ من النواب يتيح المطالبة بوزير يمثّل هذه الكتلة، ويُضاف إلى رصيد الثلث الضامن.
الوزير الثالث يُفترض أن يأتي عبر تشكيل كتلة أرثوذكسية يجري العمل على بنائها في أكثر من دائرة. في زحلة يُطرح دعم سيزار المعلوف، في البقاع الغربي إيلي الفرزلي، وفي حاصبيا الياس جرادة، إضافة إلى تحرّكات في الكورة وبيروت الثانية وعكار. الهدف ليس إيصال أفراد فحسب، بل تكوين كتلة أرثوذكسية وازنة تبرّر تمثيلها بوزير يكون حليف.أما الوزير الرابع، فيُرتقب أن يأتي عبر الكتلة الأرمنية، بحيث يكون تمثيلها الوزاري ضمن السياق السياسي نفسه، ويُحتسب ضمن شبكة الأمان الحكومية التي يسعى الحزب إلى بنائها.
بهذه الهندسة، يصبح الحزب قد أحاط نفسه بوزراء حلفاء: سنّي، وقومي، وأرثوذكسي، وأرمني، إلى جانب حصته الشيعية. وعندها، لا يعود الثلث المعطّل رهينة تحالف واحد، بل نتيجة توزيع مدروس للأوراق داخل البرلمان.


غير أن العقدة تكمن في العلاقة مع التيار الوطني الحر. فالحزب القومي لا يستطيع تأمين نوابه في عدد من الدوائر من دون أصوات التيار. والتيار يدرك أن تمكين القومي من تشكيل كتلة مستقلة يمنح الحزب وزيرًا إضافيًا لا يمرّ عبره، ويُضعف موقعه كحاجة مسيحية لحزب الله.
من هنا يأتي االضغط لإرساء تحالف انتخابي يتضمن القومي والتيار والحزب وحلفاؤه، بحيث يكون التيار رافعة لحلفاء حزب الله وبمن فيهم القومي في الدوائر المسيحية مقابل ان يساعد حزب الله مرشحي التيار حيث ما يستطيع. المقايضة هنا ليست انتخابية فحسب، بل حكومية بامتياز، لأن كل كتلة نيابية تُترجم لاحقًا بوزير، وكل وزير يدخل في حسابات الثلث المعطّل.


إلا أن حسابات رئيس التيار جبران باسيل لا تقف عند حدود الداخل. فباسيل يدرك أن إعادة تثبيت تحالفه العلني والصلب مع الحزب قد تعيده إلى مربع العزلة الإقليمية والدولية، في وقت فتح فيه قناة تواصل مع المملكة العربية السعودية، التي تشترط، وفق المعطيات المتداولة، فك الارتباط السياسي مع الحزب مقابل السعي إلى التوسط لدى الولايات المتحدة لرفع العقوبات الأميركية المفروضة عليه. 


بذلك، يصبح أي تموضع انتخابي داعم بلا تحفظ لاستراتيجية الحزب الحكومية مخاطرة سياسية شخصية بالنسبة إليه، وليس مجرد خيار تحالفي تقليدي.
هكذا يتبيّن أن التستر على ما يجري من تفاهمات سببه اختلاف الاجندات داخل الخط الواحد. الحزب يسعى إلى توزيع أوراقه بحيث يضمن التعطيل من خارج أي ارتهان لحليف واحد، فيما التيار يحاول منع قيام كتل مسيحية موازية تُضعف موقعه، وفي الوقت نفسه يوازن بين تحالفه الداخلي وحساباته الإقليمية. وبين المسارين، تتبلور معركة صامتة عنوانها الأوضح: هل يتمكن الحزب من امتلاك مفاتيح الثلث المعطّل في الحكومة المقبلة؟