حزب الله يحدد شروطه لحوار افتراضي مع واشنطن

اذا كانت واشنطن تريد من حزب الله الموافقة على دراسة طلباتها المتكررة لفتح قناة تواصل وحوار معه، فان مصدرا موثوقا داخل قيادة الحزب حدد شرطا واضحا لذلك، وقال لـ«اللواء» :على الولايات المتحدة اولا ان تقدم ما يحقق مصلحة لبنان لجهة وقف العدوان والضغط لتحقيق الانسحاب الاسرائيلي من كافة الاراضي اللبنانية، وبعدها قد يفتح الحزب الباب امام دراسة الطلبات الاميركية.

على ان ما ظهر الى العلن من طلبات اميركية متكررة للحوار مع الحزب ليس سوى جزء من مسار بدا قبل تصريحات الرئيس الاميركي دونالد ترامب وسفيره في لبنان ميشال عيسى بوقت طويل، اذ سبق ودخلت دول وجهات عدة على خط محاولة تشكيل قناة تواصل بين الحزب والادارة الاميركية.

وبحسب المصدر، فان الالحاح الاميركي كما اصرار الوسطاء فتحا نقاشا داخل قيادة حزب الله حول طبيعة المطلب الاميركي واهدافه، والجدير بالذكر هنا ان محاولات التقريب بين الطرفين لم تأتِ من قناة واحدة، بل عبر جهات ودول مختلفة بينها القطريين والاتراك، الا ان هذا النقاش لم يغير القرار القائم: لا تفاوض ولا حوار مع واشنطن في ظل استمرار سياستها الحالية، وفي مقدمها تغطية العدوان الاسرائيلي وعدم ممارسة ضغط جدي لوقفه، ولتأمين انسحاب العدو من لبنان، وحرصها على اعطاء العدو ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو بالتحديد اوراقا عديدة لخوض انتخابات الكنيست على حساب دماء اللبنانيين وبيوتهم ومنازلهم وارزاقهم.

وكشف المصدر، انه لم يصل الى الحزب حتى الان ما يمكن اعتباره مبادرة اميركية مكتملة او طرحا تفصيليا وجادا يمكن ان يشكل مادة للنقاش الفعلي او يبنى عليه ، ولذلك جاء التعاطي مع هذه الرسائل سلبيا، وعلى هذا الاساس، لا حاجة للحزب للتعليق على كل ما يقال ويثار حول هذا الموضوع.

ومن هذه الزاوية، اعتبر المصدر ان طلب واشنطن للحوار مع الحزب مجرد «خطوات استعراضية»، في حين ان التسريبات الاميركية عن لقاءات واتصالات حصلت او سوف تحصل قريبا معه، ليس سوى ذر للرماد في العيون ومحاولة لاضعاف موقف حزب الله وايران معا، من خلال فك الارتباط بين ما يجري في لبنان وما يجري في الاقليم.

ومن هنا، يبرز السؤال الذي يطرحه الحزب على الاميركيين: اذا كان المطلوب من حزب الله ان يقدم «شيئا ما»،فما الذي ستقدمه واشنطن للبنان بالمقابل؟

على ان تحفظ الحزب على الطرح الاميركي او لنقل رفضه حاليا ، يرتبط بعدة اسباب، يشرحها المصدر كالتالي:

اولا: لا يرى الحزب ان واشنطن من الدول التي تلتزم دائما بما تقوله او تتقيد بما تتعهد به، ويستحضر في هذا السياق تاريخا من عدم الالتزام بالاتفاقيات والتفاهمات، واضعا العدوان الاميركي على ايران، رغم وجود مفاوضات ومسار تفاوضي بين الجانبين في هذا الاطار، باعتباره دليلا اضافيا على ان مجرد الدخول في تفاوض او الحصول على تعهدات اميركية لا يكفي لبناء الثقة، ما دام الاميركي، قادرا على تغيير مقاربته او التنصل من التزاماته عندما تتغير الظروف.

اما السبب الثاني، فيرتبط بالدعم الاميركي المفتوح للعدو الاسرائيلي، وتوفير الغطاء لاعتداءاته، سواء في غزة او سوريا او لبنان، وصولا الى الاعتداءات الاسرائيلية التي طالت قطر والقوات التركية في سوريا، معتبرا، ان استمرار هذا الدعم لدولة ترتكب المجازر، وتواصل اعمال القتل والدمار في لبنان، لا ينسجم مع اي حديث اميركي عن رغبة جدية في الاستقرار او الحوار.

وفي هذا السياق تحديدا، يكتسب كلام السفير الاميركي ميشال عيسى اهمية خاصة بالنسبة الى الحزب، ولا سيما قوله ان وقف الاعتداءات الاسرائيلية لا يمكن ان يحصل قبل ان يقدم حزب الله «شيئا ما»،فهذه المعادلة، بحسب المصدر، تختصر جوهر المشكلة: واشنطن تطلب من الحزب المبادرة، بينما لا تستخدم نفوذها لوقف الاعتداءات الاسرائيلية.

اما السبب الثالث، فيتصل بطبيعة العلاقة الاميركية مع حزب الله، فكيف يمكن ان تطلب واشنطن من الحزب الجلوس الى طاولة الحوار، فيما هي نفسها تصفه بانه منظمة ارهابية، وتفرض عليه العقوبات، وتمارس ضغوطا على الدولة اللبنانية لاستهداف مؤسساته التربوية والاقتصادية والاجتماعية؟ اضف الى ذلك اخر الابداعات الاميركية بتوصيف الحزب بانه فصيل تابع للحرس الثوري الايراني.

في حين ان السبب الرابع هو عدم جدية واشنطن في تامين وقف اطلاق نار شامل في لبنان، حيث لم تمارس اي ضغط جدي على العدو للالتزام بوقف اطلاق النار، سواء من خلال اتفاق 27 تشرين الثاني 2024 الذي لعب الاميركي والفرنسي دور الضامن فيه، او من خلال «اتفاق الاطار» الذي ما زالت تتمسك به السلطة اللبنانية.

وفي هذا الاطار، شدد المصدر على تمسك الحزب باتفاق 27 تشرين الثاني باعتباره المرجعية لوقف الاحتلال والاعتداءات الاسرائيلية على لبنان، ويرى انه لا يمكن تجاوزه او استبداله بمسارات اخرى، اما «اتفاق الاطار» فيعيد الحزب التاكيد على انه لا يعتبر نفسه معنیا به، ويرى ان الدولة اللبنانية قدمت الكثير من خلال هذا المسار من دون ان تحصل على اي مقابل اذ استمرت الخروقات الاسرائيلية والاعتداءات والدمار.

على ان موقف الحزب لا يقتصر على ذلك، بل يعتبر انه كان الاجدى بلبنان الانسحاب من اتفاق الاطار واعلان فشل تجربة المناطق التجريبية قبل مبادرة العدو الى الاعلان عن ذلك، لان هذه التجربة لم تؤد الى انهاء الاحتلال او وقف الاعتداءات.

هذه الوقائع كلها تجعل الحزب يرفض الدعوات الاميركية الى الحوار، وتدفعه الى طرح اسئلة حول ابعاد الالحاح الاميركي عليه:

اولا: ان تكون واشنطن تحاول نقل مسؤولية تعطيل الحل والمواقف السلبية الى الطرف الاخر: فهي تعلن استعدادها للحوار، واذا رفض حزب الله، يصبح بالامكان القول انه هو من اغلق باب التسوية ورفض فرصة التواصل.

ثانيا: ان يكون هذا المسار مرتبطا بفشل «اتفاق الاطار» ومحاولة تحميل حزب الله مسؤولية فشله.

اما الاحتمال الثالث فيرتبط بالمسار الاقليمي، وتحديدا بمحاولة فك الارتباط بين حزب الله وايران، وفصل ما يجري في لبنان عن التطورات الاقليمية ومسار اسلام اباد، بما يؤدي الى اضعاف موقف الحزب في لبنان وموقف ايران في المنطقة في الوقت نفسه.

ويقول المصدر ان الحزب ينظر الى هذا الاحتمال بجدية، لان العلاقة مع ايران بالنسبة اليه ليست تفصيلا يمكن تجاوزه، فالحزب يثق بايران، ويرى انها لن تترك لبنان وحيدا، ولذلك فان اي محاولة لفصل ما يجري في لبنان عن المسار الاقليمي لا تقرا لديه باعتبارها مجرد دعوة الى حوار ثنائي، بل باعتبارها محاولة لاعادة ترتيب المشهد الاقليمي واللبناني على نحو يخدم المصلحة الاميركية والاسرائيلية.

لكن هذا الموقف لا يعني، وفق المصدر، ان الباب مغلق بصورة نهائية امام دراسة الطلب الاميركي. فالمسالة، بالنسبة الى الحزب، ليست رفضا مبدئيا للتواصل مع واشنطن ، بل ربط ذلك بموافقتها على المعادلة التالية: اذا قدمت الولايات المتحدة ما يحقق مصلحة لبنان من وقف للاعتداءات والضغط لتحقيق الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي اللبنانية، يمكن عندها ان يفتح الحزب الباب امام دراسة الطلبات الاميركية بالجلوس والحوار معه.