المصدر: المدن
الكاتب: آلان حكيم
الخميس 14 أيار 2026 14:00:40
يقدَّم مقال نواف الموساوي المدافع عن بقاء السلاح خارج سلطة الدولة اللبنانية بوصفه خطاباً فلسفياً وسياسياً يعيد النظر في مفهوم "احتكار الدولة للعنف المشروع". ويستند هذا الطرح إلى مروحة واسعة من المراجع الفكرية، من Thomas Hobbes وMax Weber إلى Karl Marx وFrantz Fanon، في محاولة لإضفاء شرعية فكرية على استمرار وجود تنظيم مسلّح خارج الدولة.
لكن هذا الخطاب، بالرغم من لغته الأكاديمية الكثيفة، يقوم على انتقائية واضحة في استعمال المفاهيم، وعلى خلط متعمّد بين مقاومة ظرفية هدفها تحرير الأرض، وبين بناء بنية عسكرية سياسية دائمة تنازع الدولة سيادتها وقرارها الوطني.
المسألة ليست إنكار حق الشعوب في مقاومة الاحتلال، فهذا حق ثابت في القانون الدولي وفي التجارب التاريخية الحديثة. إنما السؤال الحقيقي هو الآتي:
هل يحق لتنظيم حزبي عقائدي مرتبط بمحور إقليمي، أن يحتفظ إلى أجل غير محدد بترسانة عسكرية مستقلة عن الدولة، وأن يفرض على اللبنانيين خيارات الحرب والسلم والتوازنات الاستراتيجية بمعزل عن مؤسساتهم الدستورية؟
إنّ الدفاع عن سيادة الدولة اللبنانية لا يعني "تقديس الدولة"، بل الدفاع عن فكرة لبنان نفسها: دولة واحدة، بقرار واحد، وجيش واحد، وسيادة لا تتجزأ.
أولاً: احتكار القوة ليس تفصيلاً إدارياً بل تعريف الدولة نفسها
يحاول هذا الخطاب تصوير مفهوم احتكار الدولة للسلاح وكأنه مجرد نموذج أوروبي قابل للتجاوز. إلا أن جوهر الدولة الحديثة، وفقاً لـ Max Weber، يقوم تحديداً على امتلاك سلطة سيادية واحدة لقرار استخدام القوة داخل الإقليم الوطني.
فحين تصبح القوة موزعة بين الدولة وتنظيمات حزبية مستقلة، تنتقل البلاد من منطق الدولة إلى منطق توازن القوى بين سلطات متنافسة. وهذا تحديداً ما دمّر لبنان خلال الحرب الداخلية وما بعدها.
أما Thomas Hobbes، فقد انطلق من حقيقة بسيطة: لا يمكن لمجتمع أن يستقر في ظل تعدّد مراكز القوة المسلحة، لأن ذلك يقود حكماً إلى منطق الخوف الدائم واحتمال الحرب الدائمة. ومن هنا نشأ مفهوم العقد الاجتماعي: المواطن يتنازل عن حق استخدام العنف مقابل حماية تؤمّنها سلطة واحدة شرعية.
منطق السلاح خارج الدولة ينسف هذا العقد من أساسه، لأنه يمنح فئة حزبية حق امتلاك فائض قوة فوق المجتمع وفوق المؤسسات، وحق تقرير "المصلحة الوطنية" منفردة.
وهنا تصبح السيادة الفعلية ليست للشعب اللبناني مجتمعاً، بل لمن يمتلك القوة العسكرية.
ثانياً: من المقاومة إلى السلطة الموازية
بعد الانسحاب الإسرائيلي من معظم الأراضي اللبنانية عام 2000، كان يُفترض أن تبدأ مرحلة انتقالية تُدمج فيها كل القدرات العسكرية ضمن الدولة اللبنانية، كما حصل في معظم تجارب التحرر الوطني في العالم.
لكن ما حدث كان العكس تماماً: توسّعت البنية العسكرية للحزب، ترسّخت منظومة أمنية مستقلة، نشأت شبكات مالية واتصالات ونفوذ موازية للدولة، فُرضت معادلة "الجيش والشعب والمقاومة" بما تعنيه من ازدواجية في السيادة، وارتبط القرار العسكري اللبناني تدريجياً بمحور إقليمي تقوده إيران.
وهنا يسقط التشبيه بحركات التحرر الكلاسيكية. فحركات التحرر تنتهي عادة إلى بناء الدولة الوطنية أو الاندماج فيها، لا إلى إنشاء دولة داخل الدولة.
وعندما يصبح السلاح بنية دائمة مستقلة عن الشرعية الدستورية، فنحن لا نكون أمام "مقاومة" بل أمام سلطة موازية.
ثالثاً: لا توجد دولة نصف سيّدة
يحاول البعض تصوير الدولة اللبنانية ككيان عاجز، وتالياً غير مؤهل لاحتكار السلاح. لكن الحقيقة أن الدولة لم تضعف لأنها طالبت بحصرية القوة، بل بقيت ضعيفة لأن قرار القوة بقي خارجها.
فلا توجد دولة في العالم تستطيع بناء اقتصاد مستقر، سياسة خارجية متوازنة، مؤسسات فاعلة، أو جيش وطني مكتمل الصلاحيات، في ظل وجود تنظيم عسكري مستقل يمتلك وحده قرار الحرب والسلم.
ووفقاً لـCarl Schmitt، فإن السيادة تُقاس بمن يملك القرار في "الحالة الاستثنائية". والسؤال هنا واضح:
من كان يقرّر الحرب والسلم فعلياً في لبنان خلال العقود الماضية؟
هل هي الدولة اللبنانية؟ أم تنظيم عقائدي يمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً؟
إنّ أي دولة لا تحتكر قرار القوة تتحوّل حكماً إلى دولة منقوصة السيادة.
رابعاً: الفرق الجوهري
إنّ استدعاء أفكار Frantz Fanon لتبرير استمرار السلاح خارج الدولة اللبنانية يتجاهل الفرق الجوهري بين: شعب خاضع لاستعمار مباشر محروم من دولته، ودولة مستقلة عضو في الأمم المتحدة تمتلك دستوراً ومؤسسات وجيشاً وطنياً.
فانون كان يتحدث عن مقاومة استعمار استيطاني مباشر في الجزائر، لا عن تنظيم يحتفظ بترسانة عسكرية مستقلة داخل دولة قائمة بعد عقود من انتهاء الاحتلال المباشر لمعظم أراضيها.
كما أن القانون الدولي نفسه، الذي يقر بحق مقاومة الاحتلال، يقر أيضاً بحق الدول في احتكار القوة داخل أراضيها. وإلا أصبح بإمكان أي جماعة سياسية أو طائفية أن تدّعي امتلاك "شرعية مقاومة" لتبرير سلاحها الخاص.
خامساً: السلاح خارج الدولة لم يحمِ لبنان بل عطّل قيامه
التجربة اللبنانية خلال العقود الماضية أثبتت أن وجود قوة عسكرية خارج الدولة:
أدخل لبنان في حروب مدمّرة، عطّل بناء المؤسسات، ساهم في عزلة لبنان عربياً ودولياً، ربط الاقتصاد اللبناني بمحاور الصراع الإقليمي، خلق مناخاً دائماً من القلق وعدم الاستقرار، ومنع قيام حياة سياسية طبيعية لأن ميزان القوة بقي دائماً فوق السياسة وفوق الديمقراطية.
هذا، من دون نسيان الاغتيَالات المتتاليَة واجتياح بيروت التي حصلت من قبل هذه المجموعة الخارجة عن القانون.
إن المجتمع لا يصبح أكثر أماناً حين يوجد فيه سلاح خارج الشرعية، بل يصبح رهينة احتمالات الحرب المفتوحة والقرار الأحادي.
سادساً: التجارب الدولية الحديثة تؤكد العكس
كل الدول التي نجحت في بناء استقرار طويل الأمد قامت على قاعدة واضحة:
سلطة سياسية واحدة، جيش واحد، وقرار استراتيجي واحد.
حتى حركات التحرر الكبرى، من المؤتمر الوطني الإفريقي في جنوب إفريقيا، إلى الجيش الجمهوري الإيرلندي، انتهت إما إلى نزع السلاح أو دمجه ضمن مؤسسات الدولة.
أما الإصرار على الإبقاء على بنية عسكرية مستقلة إلى ما لا نهاية، فهو نموذج يقود عادة إلى دول فاشلة أو إلى حروب أهلية مؤجلة.
خاتمة: لا سيادة فوق الدولة ولا دولة تحت السلاح
إنّ الدفاع عن حصرية السلاح بيد الدولة اللبنانية ليس مطلباً نظرياً ولا ترفاً سياسياً، بل هو الشرط الأول لبقاء لبنان نفسه.
فالدولة قد تكون ضعيفة أو فاسدة أو عاجزة أحياناً، لكن علاج ضعف الدولة لا يكون ببناء سلطة عسكرية فوقها، بل بإعادة بناء المؤسسات الوطنية وتعزيز الجيش والقضاء والدستور.
لقد أثبتت التجربة اللبنانية أن ازدواجية السلاح لا تحمي السيادة بل تقسّمها، ولا تبني الدولة بل تمنع قيامها، ولا تحمي المجتمع بل تجعله رهينة صراعات إقليمية لا يملك قرارها.
منذ العصور القديمة، اعتبر كبار الفلاسفة أنّ قيام الدولة وسيادتها شرطٌ أساسي لحماية المجتمع ومنع الانهيار والفوضى. فعند أفلاطون تظهر الدولة بوصفها الإطار الذي يحقّق العدالة وينظّم العلاقات بين الأفراد ضمن سلطة عليا تحفظ النظام العام. أمّا أرسطو فاعتبر أنّ الإنسان "كائن سياسي"، وأنّ المدينة الدولة هي التعبير الأعلى عن الحياة المشتركة والقانون والسيادة. وفي الفكر الروماني، شدّد شيشرو على أنّ الجمهورية لا تقوم إلا بوجود سلطة شرعية واحدة تحتكم إليها الجماعة السياسية. وفي العصر الحديث، كرّس توماس هوبس وجان جاك روسو مفهوم السيادة الوطنية باعتباره الضمانة الوحيدة لمنع تعدّد مراكز القوة واندلاع الحروب الداخلية. ومن هنا، فإنّ احتكار الدولة لقرار القوة والسلاح لم يكن مجرّد خيار إداري، بل قاعدة فلسفية وتاريخية لقيام الدولة الحديثة وحماية المجتمع.
السيادة ليست شعاراً يُرفع في مواجهة الخارج ويُعلّق في الداخل.
السيادة تعني شيئاً واحداً لا يقبل التأويل: أن يكون قرار الحرب والسلم، والسلاح، والحدود، والعلاقات الخارجية، بيد الدولة اللبنانية وحدها، باسم جميع اللبنانيين، لا باسم أي حزب أو محور أو عقيدة عابرة للحدود.