حين تصبح الدولة "ذعراً"!

من غرائب المفارقات في ظاهرة  "اللبننة" و"العرقنة" التي تناولتها هذه الزاوية في الأسبوع الماضي لمناسبة الانسحاب الأميركي من العراق، أن تندفع على سطح انفعالات أذرع إيران في لبنان والعراق "ثقافة" متأصلة واحدة برفض كل ما يشكل حقيقة موشرات عودة لحضور الدولة أو تقويتها أو تصليبها، بما يوازي "نعي" الدويلة التي التهمت حضور الدولة.
لن نغوص في مفردات الفصائل العراقية الموالية لإيران في مواجهة قرار الحكومة العراقية نزع السلاح غير الشرعي تماماً كأنها التوأم الشقيق لـ"حزب الله" اللبناني، فيما لم يتأخر "شقيقها"، ومن النبطية تحديداً، في تجديد العهد بمواجهة كل ما يثير قلقه من مبادرات إعادة بسط حضور الدولة وسيادتها وسلطتها. والحال أن الأهمية المعنوية والوطنية الجدية للزيارة الثالثة التي قام بها رئيس الحكومة نواف سلام للجنوب والنبطية في نهاية الأسبوع الماضي، غداة عودته فوراً من واشنطن ونيويورك، لم تكن في إثبات جدية الرجل وصدقيته وصدقه في التزام تعهداته لأبناء الجنوب والمضي قدماً في تنفيذ كل ما يمكنه بقدرات حكومته القيام به، فحسب.
فثمة ما فعله "حزب الله" نفسه، عبر حملاتٍ عنيفة وحادة لانصاره على الزيارة، ساهم بقوة في تظهير الجانب الخفي والعلني في آن واحد المتصل بذعرٍ حقيقي لدى الحزب لا يقف عند حدود رفضه العقائدي والاجتهادي والديني لنزع سلاحه أو تسليمه للدولة، ناهيك بوظيفة الارتباط بالتوجيهات الإيرانية. الذعر هنا، في حالة مناهضة مبادرة متقدمة لرئيس الحكومة الذي يصنّفه الحزب بأنه رئيس حكومة سلطة الوصاية الأميركية- الإسرائيلية ولا يدفع وزراءه في هذه الحكومة "العميلة" إلى الاستقالة، يكشف في العمق الخشية الكبيرة لديه من انزلاق بساط البيئة الشيعية عموماً نحو مظلة الدولة، بقوةٍ غير محسوبة، على غرار التفاف الحيّز الأكبر من أبناء النبطية حول زيارة نواف سلام لمدينتهم حاملاً الترجمات الصادقة، ولو متواضعة، لتعهداته بل عاكساً الصدق في مشاركتهم معاناتهم من الدولة.

ليس نزع السلاح وحده ما "ينبئ" بخطورة عودة الدولة، بل تعكس انفعالات أبناء النبطية والجنوب عموماً، (وثمة ما يوجب لاحقاً مقاربة خاصة جداً لأبناء البلدات والقرى الحدودية المسيحية وكيف تناهض خطر الاحتلال وخطر البقاء وخطر التخوين المشبوه)، هذه الانفعالات باتت كأنها الاستفتاء الحاسم النهائي على حالة رفض الاستتباع القاتلة لحروب المحاور وصراعات الآخرين واستباحة الجنوب ولبنان للسلاح العابث بلبنان.

 
سواء سلم الحزب الذي على رغم الضربات القاصمة التي أضعفته على نحو كارثي بالحقائق الصادمة أم عاند حتى النهايات بسياسات الإنكار التي يعتمدها عقيدة إلى جانب عقائد قاتلة أخرى، فإن حال الجنوب كله اليوم هي النسخة الأشدّ تحديثاً واتساعاً وغلياناً وغضباً ويأساً، من تلك التي شهدها على أيدي المنظمات والفصائل الفلسطينية التي انتهت دويلتها المسلحة في جنوب لبنان امتداداً إلى بيروت بعد استدراجها للاحتلال الإسرائيلي الأكبر عام 1982.


في ظل الإنكار العبثي المتدحرج لرفض الجنوبيين البقاء على درب الصلب بلا نهاية، ثمة غضب معتمل من تأخر الدولة وقصورها وعدم التزامها بعد، تنفيذ قراراتها المتصلة بحصرية السلاح. هذا أمر يدفع لبنان الآن أكلافه الباهظة، ومع ذلك جاءت الجولة الثالثة لرئيس الحكومة في الجنوب لتقول أنه لا يبيع أوهاماً وأنه وحكومته لا يقفان مستسلمين أمام تمادي تداعيات الحرب المتواصلة... ذعر الدولة، إذن، لا يقف عند السلاح!