المصدر: نداء الوطن
الكاتب: سناء الجاك
السبت 10 تشرين الأول 2026 07:48:00
لم يكن عفويًا اعتبار ممانِعة شرسة أن احتلال العدو الإسرائيلي لقرى في الجنوب اللبناني تفصيلا محتقرًا في همة محورها. بالتالي فإن عبارتها "ويصيروا 100 ضيعة محتلة، مش بس 50 أو 60. نحنا شفنا سابقًا نتيجة الكفاح المسلح، هلق على هالنكسة بدي انسى تاريخ طويل عريض من الانتصارات"، ليست رد فعل عابر على الشماتة اللاحقة بكل من يدور في فلك المحور، وإنما هي التزام باستراتيجية جديدة بدأ العمل عليها لاستيعاب الاحتجاجات والغضب المكبوت وسوء الرؤية السائدة في طيات البيئة الحاضنة.
فالمتابع للإعلام الممانع يلاحظ اعتماد هذه الصيغة من الشغل على نماذج مبتكرة لقلب الوقائع أو التخفيف من تداعياتها. ومع الأسف قوام هذه النماذج الاستعانة بفلسفة صنعها الفكر الصهيوني منذ مطلع القرن الماضي، ليتمكن عبر الإعلام من فرض "حقائق" مزورة تبرر احتلاله فلسطين وإبادة الفلسطينيين.
وبالطبع يتجاهل جهابذة المحور ممن يسعون في إعلامهم إلى استخدام مفهوم "الوعي المزيف"، المستوحى في الأساس من خطة متكاملة لتكريس هيمنة الفكر القائد للتفوق الإسرائيلي، الخطايا والجرائم المرتكبة بحق أوطانهم التي أتاحت هذا التفوق، وما انتجته هذه الجرائم التي ارتكبها قادة وزعماء، اتخذوا من فعل محاربة العدو ذريعة للفتك بشعوبهم ونهب خيرات بلادهم، وإرساء سياسة المحسوبيات والفساد والتخوين، والتخلص من المعارضين لأنهم "يهددون الأمن القومي ويضعفون الولاء للوطن والقضية والولي الفقيه... وإلخ إلخ" ومن دون الإقرار بأن بطولاتهم الوهمية المغلفة بالانفعالات والمشاعر ليست سوى للتجييش والتجهيل، ومن دون أي التفات إلى المعطيات الحقيقية التي تتيح إنجاز مقاومة فعالة تؤدي إلى التحرير، فقط، لا الاستغلال لمصلحة محور يموِّل ويستثمر على حساب أصحاب الأرض وأرزاقهم ودمائهم.
ولا يغيِّر من واقع الهزيمة الحاصلة، إن في جنوب لبنان أو مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، العودة إلى الماضي، للدلالة على "خونة" جندهم الإسرائيلي منذ عقود، ونسيان الحاضر الذي يحمل "الإخفاق" وليس "الضربة القاضية" لمحور لم يعد يملك رأسه إلا تخبط عشوائي وسع الإقليم ليتمكن من الحصول على بضعة أوراق تحسِّن شروطه للتفاوض، وتحول دون انهياره.
والأهم، لا يخفف من واقع الهزيمة وتداعياتها استخدام خطاب الإدانة لعدو مجرم ومنتهك "لكل قيم المجتمع الدولي المزيفة ولمبادئ حقوق الإنسان"، ولا ينفع التبرير لعجز هؤلاء الممانعين المبتدئين المغرورين، الذين يتجاهلون أن الأسلوب نفسه، يستخدمه العدو، ولكن مع إضافةٍ للتفوق العسكري والتقني وبحجة الدفاع عن النفس، ليبني دفاعه عن وحشيته وحرب الإبادة التي يشنها ضد الفلسطينيين واللبنانيين.
وهكذا، وبمعزل عن المسار العسكري وتطوراته، فإنّ جهابذة الممانعة المؤمنين بخسارتهم، يبحثون عن بناء أسس "وعي مزيف"، يأملون من خلال تكريسه فرض هيمنتهم على الحاضر والمستقبل، ليبقى البلد أسير معادلات لا أفق لها حين تكون الهزيمة صمودًا والإبادة دفاعًا عن النفس.