المصدر: إرم نيوز
الاثنين 3 آب 2026 13:29:51
لم تكشف التحقيقات القضائية اللبنانية مع أحد الموقوفين في قضية خلية "رأس النبع" عن مجرد مخزن أسلحة داخل أحد أحياء بيروت، بل عن مهمة ميدانية أوسع، إذ أقر الموقوف، وفق مصادر خاصة لـ"إرم نيوز"، بانتمائه إلى حزب الله، واعترف بأن السلاح الذي كان بحوزته لم يكن مخصصا للتخزين فقط، وإنما لاستخدامه في تطويق المنطقة المحيطة عند وقوع أي تطورات أمنية أو عسكرية.
اعتراف يغير مسار القضية
وقالت مصادر سياسية مطلعة على أجواء التحقيقات القضائية، إن المداهمة كشفت وجود ذخائر وأسلحة صغيرة ومتوسطة، بينها أسلحة يمكن استخدامها في اضطرابات الشوارع، إضافة إلى تجهيزات تصلح لأعمال أمنية أكثر دقة، مثل زرع عبوات في سيارات أو مبان. وذكر أن المضبوطات شملت بنادق حربية وقذائف "آر بي جي".
وأضافت المصادر أن هذه المعطيات توحي بخطة للسيطرة على مفاصل الحركة والمداخل، وليس مجرد مخزن دفاعي أو سلاح فردي. مشيرا إلى أن هذه الإفادات دفعت الجهات المعنية إلى التعامل مع القضية باعتبارها تتجاوز ضبط مستودع أسلحة، لأنها تكشف وجود خطة انتشار ميداني داخل العاصمة يمكن تفعيلها في ظروف استثنائية، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول مستقبل السلاح غير الشرعي في بيروت وآليات التعامل معه.
منطقة "شديدة الحساسية"
وتلفت المصادر إلى أن منطقة "رأس النبع" تقع عند مساحة شديدة الحساسية تربط وسط بيروت بأحياء البسطة والمزرعة والطريق الجديدة ومداخل الضاحية. ما يعني أن السيطرة على محاورها أو تطويقها تمنح أي مجموعة مسلحة قدرة على قطع الانتقال بين أجزاء من العاصمة.
وتربط المصادر بين "رأس النبع" و"البسطة" و"الخندق الغميق" بوصفها مناطق استخدمت سابقا كمسارات انتشار وتحرك خلال أحداث 7 أيار/ مايو 2008. واصفا المنطقة بأنها تمثل "خزان مواجهة" يستطيع حزب الله من خلاله تنظيم خلاياه.
وأضافت أن القضية أعادت فتح البحث داخل الأوساط السياسية والأمنية في كيفية استكمال مشروع جعل بيروت خالية من السلاح، بما في ذلك تطوير آليات التحقق وتعزيز دور الجيش اللبناني في ملاحقة أي مخازن أو خلايا مسلحة قد يجري اكتشافها مستقبلا.
الأزمة ليست في المخزن
ويرى الباحث السياسي علي حمادة أن قضية رأس النبع "تكشف جانبا من أزمة السلاح في لبنان"، لكنها لا تختصرها، لأن السلاح غير الشرعي منتشر منذ سنوات لدى جهات متعددة، من بينها فصائل فلسطينية وأحزاب لبنانية مختلفة.
وقال حمادة لـ"إرم نيوز" إن "غطاء هذا السلاح يبقى سلاح حزب الله، لأنه يمثل الكتلة الأكبر من السلاح الخارج عن سلطة الدولة"، مؤكدا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في وجود مخزن هنا أو خلية هناك، بل في استمرار وجود ترسانة عسكرية كاملة خارج إطار المؤسسات الشرعية.
وأضاف أن نزع سلاح حزب الله هو "المدخل الطبيعي لنزع بقية الأسلحة"، معتبرا أن الاكتفاء بمصادرة مخازن صغيرة أو أسلحة محدودة لن يغير ميزان القوة القائم، لأن بقية مظاهر السلاح تبقى أقل خطورة من قدرات الجيش اللبناني والأجهزة الأمنية، بينما يشكل سلاح حزب الله التحدي الأكبر أمام الدولة.
بيروت أمام اختبار جديد
وتشير المصادر الخاصة إلى أن التطورات الأخيرة قد تدفع الدولة اللبنانية إلى الانتقال من الاكتفاء بالانتشار الأمني داخل العاصمة إلى البحث عن آليات أكثر فاعلية لضبط السلاح غير الشرعي إذا أثبتت التحقيقات وجود خلايا أو مخازن مشابهة.
لكن حمادة يرى أن مشروع "بيروت منزوعة السلاح" لم يسقط أصلا، وإنما جرى تعديل أسلوب تنفيذه، عبر التركيز على انتشار الجيش والقوى الأمنية بدلا من اقتحام أماكن وجود السلاح، معتبرا أن هذا الخيار لا يكفي لتحقيق الهدف.
وقال إن العاصمة "يجب أن تكون خالية من أي سلاح خارج إطار الدولة، لأن استعادة الدولة لسيادتها في بيروت ستنعكس تلقائيا على بقية المناطق اللبنانية"، محذرا من أن بقاء السلاح غير الشرعي داخل العاصمة سيبقي مشروع حصر السلاح ناقصا مهما حققت الدولة من تقدم في مناطق أخرى.
ما بعد رأس النبع
وبينما تستمر التحقيقات لكشف امتدادات الخلية والجهات المرتبطة بها، تبدو قضية رأس النبع أبعد من عملية أمنية عابرة، إذ فتحت الباب أمام نقاش جديد حول كيفية انتقال الدولة اللبنانية من ملاحقة مخازن منفردة إلى معالجة أصل المشكلة، أي السلاح الخارج عن سلطة الدولة، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لدفع هذا الملف إلى مرحلة التنفيذ.