دفتر هواتف كشف مخبأ رئيس استخبارات الأسد

قاد دفتر ملاحظات صغير لتسجيل أرقام هواتف، عُثر عليه في شقة فاخرة مهجورة بدمشق، للوصول إلى حسام لوقا، مدير الاستخبارات السوري السابق وأحد أبرز مسؤولي نظام بشار الأسد، الذي اختفى بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024، قبل أن تظهر مؤشرات على وجوده في روسيا.

هذا وكشف تحقيق لهيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" استغرق تنفيذه عدة أشهر، عن تفاصيل الوصول إلى لوقا، موضحاً أنه في الشقة، التي دخلها مسلحون بعد سقوط الأسد، عُثر على صور ولوحات وشهادات تحمل اسم لوقا، بينها صور تجمعه بالأسد.

وكان الرجل، المعروف بلقب "العنكبوت"، قد شغل منصب رئيس المديرية العامة للأمن، أحد أقوى أجهزة الاستخبارات المدنية في سوريا، وفرضت عليه المملكة المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات، على خلفية اتهامات تتعلق بارتكاب فظائع وأعمال تعذيب ممنهجة، على رأسها تورطه بما عُرف بـ"مجزرة العيد في حي الوعر"، والتي راح ضحيتها نحو 28 شخصاً معظمهم من الأطفال، وقد أشارت الولايات المتحدة إلى هذه المجزرة في حيثيات فرض عقوباتها عليه.

دفتر وأسماء
لكن الدليل الأكثر أهمية لم يكن صورة أو وثيقة، بل دفتراً احتوى على عشرات الأسماء، من أطباء وأصحاب متاجر إلى مسؤولين عسكريين وأفراد من عائلة لوقا، في حين التقط فريق التحقيق صوراً لصفحات الدفتر، ثم بدأ في لندن اختبار أرقام الاتصال الـ 155 الواردة فيه، ليتبين أن 51 رقماً منها لا تزال تعمل.

فيما بدأت محاولات الاتصال بالمقربين من لوقا، لكن معظمها باء بالفشل، فالبعض أغلق الهاتف فور معرفة هوية المتصل، وآخرون أنكروا معرفتهم بلوقا أو حتى كونهم الأشخاص الذين تحملهم الأسماء الواردة في الدفتر. وفي محاولة للوصول إلى أصحاب الأسماء، توجه مراسل "بي بي سي" إلى سوريا، واستعان بمواعيد طبية للقاء بعض الأطباء المدرجين في الدفتر، إذ أقر أحدهم بأنه عالج لوقا، قبل أن يطلب من المراسل مغادرة المكان.

حارس شخصي ومسارات هروب
إلى ذلك، وبعد أشهر من دون نتيجة، جاءت نقطة التحول عندما أجاب أحد الأسماء الواردة في الدفتر، وقال إنه كان حارس المبنى الذي يقطن فيه لوقا، ومن خلاله، وصل التحقيق إلى رجل يدعى محمود، قال إنه كان الحارس الشخصي لرئيس الاستخبارات السابق.

ثم بعد أسابيع من المحاولات، كشف الحارس الشخصي أن لوقا كان قد وعد بالبقاء في دمشق والدفاع عنها مع اقتراب سقوط النظام، لكنه اختفى في الساعات الأولى من اليوم التالي، بعدما أخذ معه مبلغاً كبيراً من المال من خزنة المكتب، لكنه في المقابل رفض إعطاء أي تفاصيل أو عناوين للاتصال سواء بلوقا أو بأي من أفراد عائلته، باستثناء رقم هاتف سائق سيارة، والذي يعتقد أنه هو الذي أخرج لوقا من دمشق في تلك الليلة التي سقط فيها نظام الأسد.

بيد أن السائق كان أكثر تحفظاً، إذ نفى معرفته بأنشطة لوقا، ثم توقف عن الرد على الاتصالات.

وفيما يخص مسارات الهروب المحتملة التي لجأ إليها، أفاد مصدر رفيع في الحكومة اللبنانية بأن لوقا مر عبر الأراضي اللبنانية مستخدماً "جواز سفر روسياً سليماً لكن باسم مختلف"، قبل أن يتوجه جواً إلى روسيا.

كما جرى التوصل إلى رجل في لبنان كان اسمه مدرجاً في دفتر اتصالات لوقا، وأكد امتلاكه رقماً له، وكان الرقم يحمل رمز الاتصال الروسي، حيث ارتبط ذلك مع وجود أدلة أخرى في شقة لوقا على صلاته بموسكو، بينها جوائز من جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي وبطاقة تهنئة من مسؤول روسي رفيع.


لوقا يجيب.. ويتجنب "المخاطرة"
وبعد أيام، وافق الرجل على أن يهاتف "صاحبه" حسام لوقا بنفسه وأن يفتح مكبّر الصوت أثناء المكالمة، وأن يسأله عدداً من الأسئلة اعتقد فريق التحقيق أن لوقا وحده يمكنه الإجابة عنها، وجاءت الإجابات فورية وصحيحة، لكنه رفض التحدث مباشرة لمعدي التحقيق.

لاحقاً، وافق الرجل الموجود في لبنان على الاتصال بلوقا مجدداً والسماح للمراسلين بالتحدث إليه، وأجاب الصوت نفسه، قبل أن يواجهه الفريق بالاتهامات المتعلقة بالمجازر والتعذيب. وقال لوقا، بنبرة قلقة: "لا يمكنني تحمل أي مخاطرة بالتحدث عبر الهاتف في الوضع الذي أنا فيه"، وعندما سُئل عما إذا كانت روسيا تمنعه من الحديث، أجاب: "لا أستطيع التحدث، لا يمكنني أن أشرح، عليك أن تفهم".

ثم جرى سؤاله عما إذا كان في الإمكان ترتيب لقاء خارج روسيا، فأجاب بأن هذا الأمر "صعب"، قبل أن يقطع الاتصال.