المصدر: إرم نيوز
الكاتب: محمد حامد
الخميس 27 آب 2026 09:19:17
كشفت مصادر دبلوماسية غربية لـ"إرم نيوز"، أن دولا أوروبية زودت واشنطن بملفات سرية تتضمن معلومات تفصيلية عن كيانات اقتصادية ورجال أعمال إيرانيين، ومسارات أنشطتهم المالية والتجارية، في خطوة من شأنها توسيع قدرة الولايات المتحدة على ملاحقة شبكات الالتفاف على العقوبات وفرض قيود جديدة على شركات وأفراد لم تطلهم الإجراءات الأمريكية حتى الآن.
وقالت المصادر إن الملفات، التي وصلت إلى جهات أمريكية معنية وفي مقدمتها وزارة الخزانة، تتضمن بيانات عن الشبكة المالية الإيرانية خارج البلاد، جرى جمعها عبر مؤسسات وأجهزة مالية واستخباراتية في دول أوروبية، بينها بريطانيا وفرنسا وألمانيا وبلجيكا وسويسرا.
وبحسب المصادر، جرى تبادل تلك المعلومات بعيدا عن الإعلان، في إطار إجراءات تهدف إلى حماية مصادر البيانات وآليات جمعها، وضمان عدم منح الكيانات المستهدفة فرصة لإعادة هيكلة أنشطتها أو نقل أموالها وأصولها قبل اتخاذ إجراءات ضدها.
شبكة شركات بواجهات تجارية
وأوضحت المصادر أن جانبا من البيانات يكشف آليات معقدة لإخفاء الملكية الحقيقية لشركات يمتلك حصصا فيها رجال أعمال إيرانيون وآخرون من جنسيات مختلفة، تربط بعضهم علاقات بالحرس الثوري، بينما تتولى تلك الشركات إدارة أنشطة تجارية تخدم مصالح النظام الإيراني، وفي مقدمتها عمليات مرتبطة بتصدير النفط بعيدا عن قنوات التجارة التقليدية.
وتظهر المعلومات، وفق المصادر، أن عددا من هذه الشركات يعمل ظاهريا في قطاعات لا ترتبط بالطاقة، بينها تجارة السيارات والأدوات المنزلية والإلكترونيات والمواد الغذائية والبن والتوابل، فيما تستخدم هياكلها التجارية والمالية لتسهيل معاملات وأنشطة أخرى مرتبطة بإيران.
وتتركز مقرات إدارية ومالية لعدد من شركات "الواجهة"، بحسب المصادر، في دول ومناطق متعددة، أبرزها لوكسمبورغ وقبرص وألبانيا والهند وسنغافورة والبرازيل، إلى جانب دول في غرب إفريقيا وجزر في البحر الكاريبي.
تعقب الحسابات ومسارات الأموال
وقال دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى مطلع على ملف العقوبات الإيرانية لـ"إرم نيوز"، إن جهات استخباراتية أوروبية سلمت الجانب الأمريكي تفاصيل مرتبطة بحسابات شركات ورجال أعمال شملتهم عقوبات أوروبية خلال الفترة الماضية، بعد رصد صلات تجارية ومالية لهم بشركات ومكاتب واجهة مرتبطة بتصدير النفط أو بتوفير معدات يمكن استخدامها في تطوير قدرات عسكرية، بينها الصواريخ والطائرات المسيرة.
وأضاف أن المعلومات جاءت نتيجة تحقيقات وتحريات أجرتها أجهزة أمنية واقتصادية واستخباراتية أوروبية، وتتضمن حلقات ومسارات مالية وتجارية سبق أن قادت إلى فرض عقوبات أوروبية على كيانات إيرانية أو جهات مرتبطة بطهران.
وبحسب الدبلوماسي الفرنسي، فإن إتاحة تلك المعلومات لواشنطن تمنحها صورة أوسع عن أجزاء غير مكشوفة من الشبكة المالية الإيرانية، وقد تساعدها على بناء ملفات قانونية أكثر اكتمالا لفرض عقوبات إضافية، بما يوسع دائرة الضغط الاقتصادي على طهران.
وتكشف بعض البيانات، وفق المصدر نفسه، تسلسل حسابات استخدمت في تمرير معاملات مالية، بينها إيرادات مرتبطة بصفقات نفط، وتحويل أموال بعملات مختلفة عبر بنوك ومؤسسات مالية في آسيا ومنطقة الكاريبي، قبل وصول أجزاء منها بالدولار إلى شركات وأشخاص مرتبطين بالنظام الإيراني.
لعبة تبديل الملاك
وأشار الدبلوماسي الفرنسي إلى أن الملفات تتضمن أيضا نتائج تحقيقات موسعة لتحديد المستفيدين الحقيقيين من شركات تعمل من خلال وكلاء وواجهات في قطاعات بينها الخدمات البترولية.
وأضاف أن التحقيقات رصدت سلاسل من الوسطاء وتغييرات متكررة في هياكل الملكية وأسماء المساهمين، بما يصعب تعقب حركة الأموال والوصول إلى أصحاب المصالح الفعليين، ويعقد اتخاذ الإجراءات القانونية، خصوصا في الملفات المرتبطة بشبهات غسل الأموال.
وتأتي هذه التحركات بالتوازي مع تشديد العقوبات الغربية على إيران. وكانت الولايات المتحدة قد فرضت أخيرا عقوبات على عشرات الكيانات والأفراد والسفن المرتبطة بطهران، ضمن قطاعات تشمل النفط والبرنامج النووي والصواريخ والفضاء الإلكتروني.
كما تفرض المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي وسويسرا ودول أوروبية أخرى حزمة من العقوبات على إيران على خلفية ملفات متعددة، تشمل برنامجها النووي ودعم روسيا وقضايا حقوق الإنسان وتهديدات أمنية أخرى.
استهداف طرق الالتفاف
وتعمل طهران منذ سنوات على بناء شبكة من شركات الواجهة والوسطاء ومسارات الدفع البديلة لتقليص تأثير العقوبات الغربية، ما جعل تعقب المستفيد الحقيقي من الشركات والحسابات المالية أحد أبرز محاور المواجهة الاقتصادية بين إيران والغرب.
وفي هذا السياق، قال الخبير في الشؤون الأمنية جيمس بوسبوتينيس لـ"إرم نيوز"، إن استهداف شبكة اقتصادية ومالية بهذا الاتساع يحتاج إلى مستوى مرتفع من التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية بين الدول، حتى تكون العقوبات قابلة للتنفيذ الفعلي وليس مجرد إجراءات معلنة.
وأوضح أن تفاصيل التعاون في ملاحقة شبكات الالتفاف الإيرانية تبقى بطبيعتها سرية، نظرا لارتباطها بمصادر وأساليب للاستخبارات المالية لا يمكن كشفها من دون الإضرار بفاعليتها.
ويرى بوسبوتينيس أن تبادل المعلومات بين الأوروبيين والولايات المتحدة يمكن أن يدعم تطبيق العقوبات الثانوية الأمريكية، التي تهدف إلى دفع الشركات والأطراف غير الإيرانية إلى الاختيار بين استمرار التعامل مع كيانات مرتبطة بطهران أو الاحتفاظ بإمكانية الوصول إلى السوق والنظام المالي الأمريكيين.
وأشار إلى أن هذه الأداة أثبتت فاعليتها في مراحل سابقة، ولا سيما خلال السنوات التي سبقت توقيع الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، عندما ساهم الضغط المالي والعقوبات الثانوية في تضييق قدرة طهران على التعامل مع المؤسسات الدولية.
حذر أوروبي من تقلبات واشنطن
ورغم التعاون المعلوماتي، قال بوسبوتينيس إن علامات استفهام لا تزال تحيط بالهدف النهائي لبعض التحركات الأمريكية ومدى استمرارها، في ظل تغيرات متكررة في نهج إدارة الرئيس دونالد ترامب.
وأضاف أن هذا الغموض يفسر، جزئيا، حرص الأوروبيين على إبقاء مشاركتهم في مستوى تبادل المعلومات والتنسيق، من دون الانخراط المباشر والكامل في بعض المسارات الأمريكية.
وبحسب بوسبوتينيس، تخشى أطراف أوروبية من أن تغير واشنطن مسارها أو تتراجع عن بعض الإجراءات في مرحلة لاحقة، خصوصا أن التحولات المفاجئة في سياسات ترامب أوجدت في السابق تباينات مع حلفاء الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تشير المعلومات التي كشفتها المصادر إلى أن مستوى التنسيق القائم يمنح واشنطن أدوات أكثر دقة لتعقب شبكات إيران الخارجية، ويحول ملفات العقوبات من استهداف الأسماء والكيانات المعروفة إلى محاولة كشف الطبقات الخفية من الشركات والوسطاء والحسابات التي أبقت جزءا من التجارة الإيرانية متصلا بالأسواق الدولية رغم سنوات من القيود.