المصدر: نداء الوطن
السبت 7 شباط 2026 11:31:40
لم يكن اتفاق الطائف، عند إقراره عام 1989، مجرّد تسوية لوقف الحرب الأهلية، بل محاولة تأسيسية لإعادة بناء الدولة اللبنانية على قاعدة الشراكة المتوازنة بين المسلمين والمسيحيين. وقد حدّد الاتفاق، بنصوص واضحة لا تحتمل التأويل، أن السلطة التنفيذية تُمارَس من قبل رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ومجلس الوزراء مجتمعًا، من دون أي دور تنفيذي لرئيس مجلس النواب، الذي حُصرت صلاحياته في الإطار التشريعي وتنظيم عمل البرلمان.
غير أن الطائف، منذ لحظاته الأولى، لم يُطبَّق في بيئة سيادية طبيعية. فقد دخل لبنان مباشرة تحت الوصاية السورية، حيث جرى استثمار الانقسامات الطائفية والسياسية لتفريغ الاتفاق من مضمونه، وتحويله من عقد دستوري ناظم إلى أداة ضبط وهيمنة. في هذا السياق، وُلد ما عُرف لاحقًا بـ«الترويكا»، كآلية حكم غير منصوص عليها دستوريًا، جمعت رؤساء الجمهورية والحكومة مع رئيس مجلس النواب في تحالف قسري، لا يمر قرار أساسي من دونه، ولا يُتخذ موقف إلا وفق إرادة المرجعية الخارجية.
في ظل هذه المعادلة، جرى تضخيم دور رئيس مجلس النواب ومنحه موقعًا يتجاوز الدستور، ليغدو شريكًا فعليًا في السلطة التنفيذية، لا بحكم النص، بل بفعل ميزان القوة الذي فرضه الاحتلال السوري. وكان نبيه برّي، بوصفه رأس الحربة السياسية للنظام السوري داخل المؤسسات، الضامن الأساسي لهذه الصيغة، والمكلّف بمهمتين متلازمتين: تثبيت ولاء الطائفة الشيعية للوصاية السورية، ومنع أي انسجام طبيعي أو قرار سيادي بين رئاستي الجمهورية والحكومة قد يفضي إلى استعادة القرار الوطني.
هكذا، لم تعد السلطة التنفيذية نتاج تعاون دستوري بين مؤسساتها الشرعية، بل رهينة تفاهمات فوق دستورية، وشخصنة للقرار، ومقايضات طائفية أفرغت مبدأ المناصفة من مضمونه، وحوّلت الدولة إلى هيكل إداري مشلول، لا يعمل إلا بالتعطيل أو بالإجماع القسري.
ومع انسحاب الجيش السوري عام 2005، كان يُفترض أن تنتهي هذه المرحلة الاستثنائية. غير أن الوقائع أثبتت أن الأدوات بقيت، وإن تبدّلت المرجعية. فمع تمدّد النفوذ الإيراني، استُنسخت الممارسات نفسها، واستُخدم الإرث السوري ذريعة لتكريس أعراف مخالفة للدستور، تحت شعارات فضفاضة من قبيل «الاستقرار» و«الميثاقية» و«الوحدة الوطنية». وفي هذا السياق، استفاد رئيس المجلس من تردّد قوى سياسية مسيحية وسنية راهنت على «لبنانيته» المفترضة، وغضّت النظر عن استمرار خروجه المنهجي على حدود موقعه الدستوري.
اليوم، ومع انتخاب رئيس جمهورية سيادي وتشكيل حكومة تُعلن الاستقلالية، تتكشّف مرة جديدة حقيقة دور نبيه برّي: تعطيل متعمّد لعمل المؤسسات، احتكار لإدارة السلطة التشريعية، ومحاولات دائمة لفرض شراكة تنفيذية غير موجودة في الدستور، وكأن مرحلة الوصاية لم تنتهِ، وكأن الدولة لا تزال تُدار بعقلية الأمر الواقع لا بمنطق الدولة والمؤسسات.
والحقيقة التي لا يمكن الالتفاف عليها، أن الدستور اللبناني لا يمنح رئيس مجلس النواب أي صلاحية تقريرية، لا مباشرة ولا مقنّعة، حتى داخل المجلس النيابي نفسه، إذ أنّ النظام الداخلي الذي يحكم عمل رئيس المجلس يخضع لإرادة الأكثرية النيابية لا لإرادة شخص أو موقع. وكل محاولة لفرض دور موازٍ لدور رئيس الحكومة أو مجلس الوزراء ليست سوى إعادة إنتاج لنموذج سلطوي اختبره اللبنانيون سابقًا، ودفعوا ثمنه شللًا وانقسامًا وانهيارًا.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الاكتفاء بتوصيف تجاوزات رئيس مجلس النواب أو تحميله وحده مسؤولية تكريس هذه الأعراف. فالمسؤولية الدستورية اليوم تقع أيضًا، وبدرجة لا تقل خطورة، على عاتق رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة. إذ أنّ أي إشراك لرئيس المجلس في القرارات التنفيذية، ولا سيما تلك المتصلة بتوجيه عمل الحكومة أو بإدارة السلطة التنفيذية، يشكّل خروجًا صريحًا على أحكام الدستور وروح اتفاق الطائف، أياً كانت الذرائع أو الحسابات السياسية. فالدستور لم يُنشئ سلطة تنفيذية ثلاثية، ولم يمنح رئيس مجلس النواب موقع الشريك في القرار التنفيذي، وأي قبول بهذا الواقع، أو مسايرة له، لا يُعدّ تسوية سياسية بل مخالفة دستورية يتحمّل مسؤوليتها من يشارك فيها بقدر من يفرضها.
ومن هنا، فإن الإصرار على تكريس هذه الأعراف، أو تبريرها باسم الطائفة أو «السوابق»، لا يقتصر على تشويه آليات الحكم، بل يشكّل انقلابًا عمليًا على اتفاق الطائف، وتهديدًا مباشرًا لمبدأ المناصفة، ويحوّل رئاسة مجلس النواب من موقع دستوري ضامن للتشريع، إلى مركز تعطيل وقوة خارج إطار الدولة.
لبنان، في هذه اللحظة المفصلية، لا يحتاج إلى اجتهادات سياسية ولا إلى أعراف مفروضة بالقوة، بل إلى احترام صارم للدستور، وفصل واضح ونهائي بين السلطات، وإعادة كل مؤسسة إلى حجمها ودورها الطبيعي. فإما دولة تُحكم بالنص والشرعية، وإما بقاء في دوامة ممارسات عفا عليها الزمن، لا تخدم إلا مصالح شخصية وطائفية ضيقة على حساب
اليوم، يتجاوز ما يفرضه نبيه برّي حدود تعطيل المجلس إلى محاولة تكريس أمر واقع أخطر: فرض المثالثة في الحكم من خارج الدستور، عبر إقفال البرلمان، منع تعديل قانون الانتخابات، وانتقاء الملفات التي تمرّ وتلك التي تُقصى، رغم وجود أكثرية نيابية واضحة. وهذا ما لم ينجح في فرضه في ذروة الاحتلال والوصاية، لن يُمرَّر اليوم تحت أي ذريعة.
فالمرحلة تغيّرت، والميزان تبدّل، وما سقط مع الاحتلال لن يُبعث مع بدايات استعادة السيادة. إما دولة تُحكم بالدستور وبإرادة الأكثريات، وإما مواجهة مفتوحة مع من يصرّ على إبقاء لبنان رهينة أعراف انتهى زمنها.
وانطلاقاً من كل ما تقدّم، يصبح من المشروع، بل من الضروري فتح نقاش دستوري صريح حول آلية انتخاب رئيس مجلس النواب نفسها، فإذا كان رئيس المجلس، "في حال سلمنا بحسب ما يدّعيه ويمارسه عملياً"، يتمتّع بدور يتجاوز تنظيم العمل التشريعي إلى التأثير في مسار الحكم والقرار الوطني، فإن منطق الدولة يقتضي أن تتطابق آلية انتخابه مع حجم هذا الدور المفترض.
وعليه، فإن إخضاع انتخاب رئيس مجلس النواب لآلية مماثلة لانتخاب رئيس الجمهورية، لناحية اشتراط نصاب الثلثين لانعقاد جلسة الانتخاب، يشكّل مدخلاً دستورياً سليماً لإعادة التوازن إلى المؤسسات، لا بهدف تكريس أعراف جديدة، بل على العكس، لضبط أي صلاحيات مُدّعاة بسقف وطني عريض، يفرض حداً أدنى من التوافق الواسع، ويمنع تحويل الموقع إلى أداة هيمنة أو تعطيل بيد أكثرية ظرفية أو شخص واحد، فإذا كانت هذه الرئاسة تُقدَّم على أنها "ضامنة" و "محورية"، فإن ضمانها الحقيقي لا يكون بأي بلطجة أو بالأمر الواقع، بل بشرعية موسّعة تستدعي أوسع تفاهم نيابي ممكن، وتعيد ربط الموقع بالدستور لا بالأعراف المفروضة.