رائحة احتراق في لبنان: ماذا نتنفس مع القصف المتواصل؟

في ظلّ القصف الإسرائيلي المكثّف الذي يستهدف مناطق عدّة في لبنان، ولا سيّما الضاحية الجنوبية لبيروت، بات الهواء يزداد تلوّثاً يوماً بعد يوم، فيما تنتشر رائحة احتراق خانقة تُشمّ على مسافات بعيدة. هذا الواقع يطرح تساؤلات جدّية حول طبيعة المواد التي يستنشقها السكان يومياً، وانعكاساتها الصحية والبيئية.
يؤكّد الخبير في تلوّث الهواء، البروفسور شربل عفيف، أنّ ما يجري هو تعرّض الناس لـ"خليط سام" يصعب تحديد مكوّناته بدقّة. ويوضح أنّ مجرّد القدرة على شمّ هذه الروائح يعني أنّ تركيز الملوّثات في الهواء مرتفع جداً، إذ إنّ حاسّة الشمّ لا تلتقطها إلا بعد تجاوزها عتبة معيّنة.

ولا تقتصر مصادر التلوّث على المواد المتفجّرة، بل تشمل أيضاً ما ينتج عن تدمير الأبنية واندلاع الحرائق، حيث تتحرّر في الهواء مواد ناتجة عن احتراق البلاستيك، الأقمشة، الوقود والمعادن، إضافة إلى مركّبات كيميائية معقّدة لا تتوافر بيانات دقيقة حولها.

ملوّثات خطرة وانتشار واسع

من أبرز هذه الملوّثات المركّبات العضوية (الطايرة وغير الطايرة)، وهي مواد خطرة تبقى عالقة في الهواء لفترات غير محدّدة، وتتراكم في الرئتين عند استنشاقها، لتؤثّر لاحقاً على أعضاء مختلفة في الجسم. كما تشمل الجزيئات الدقيقة (PM2.5) التي تخترق الجهاز التنفسي، والهيدروكربونات، والديوكسينات، والفورانات.

ولا تبقى هذه الملوّثات محصورة في مناطق القصف، بل تنتقل لمسافات بعيدة بفعل الرياح، ما يعني أنّ تأثيرها قد يطال مناطق لبنانية أخرى، وربما دولاً مجاورة.

مخاطر صحية فورية وطويلة الأمد

تُعدّ الفئات الأكثر هشاشة – كمرضى الربو، وكبار السن، والأطفال – الأكثر عرضة للتأثيرات المباشرة، مثل صعوبات التنفّس وتهيّج الجهاز التنفسي. أمّا على المدى الطويل، فيحذّر الخبراء من أنّ هذه المواد قد تكون مسرطِنة، وقد تزيد خطر الإصابة بالأمراض السرطانية بعد سنوات من التعرّض.
وتأتي هذه المخاطر في سياق بيئي متدهور أساساً، إذ إنّ مستويات تلوّث الهواء في لبنان كانت قبل الحرب تفوق المعايير العالمية بعشرات المرّات. وقد ساهمت الأزمة الاقتصادية منذ عام 2019 في تفاقم الوضع، مع الاعتماد المكثّف على المولّدات الخاصة بسبب انهيار قطاع الكهرباء، إضافة إلى تداعيات انفجار مرفأ بيروت عام 2020.

إجراءات وقائية محدودة

في ظلّ هذا الواقع، تبقى إجراءات الوقاية محدودة. إذ يُنصح بإغلاق النوافذ للحدّ من دخول الهواء الملوّث، لكن ذلك قد يشكّل خطراً إضافياً في حال تعرّض المباني لانفجارات قريبة. كما أنّ الأمطار قد تساعد جزئياً في تنقية الهواء، لكنها في المقابل تنقل الملوّثات إلى التربة والمياه الجوفية، ما يوسّع نطاق الضرر البيئي.

تلوّث عابر للحدود وأثر مناخي

تشير دراسات إلى أنّ التلوّث الناتج عن الحرائق الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بمنشآت نفطية، يمكن أن ينتقل مئات الكيلومترات خلال ساعات. هذا ما يعكس خطورة الأثر الإقليمي للتلوّث الناتج عن النزاعات.

ولا يقتصر التأثير على الصحة المباشرة، بل يمتدّ إلى المناخ، إذ تُسهم هذه الانبعاثات في زيادة الغازات الدفيئة، ما يفاقم أزمة تغيّر المناخ. وفي هذا السياق، يرى الخبراء أنّ الحروب تقوّض الجهود العالمية للحدّ من الاحتباس الحراري.

في المحصّلة، لا يقتصر خطر القصف على الدمار المباشر، بل يتعدّاه إلى تهديد صامت يتسلّل مع كل نفس، في بيئة تعاني أصلاً من هشاشة مزمنة.