المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الأربعاء 18 آذار 2026 07:37:29
من المتوقع أن يُمثل اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في عملية نفذتها القوات الإسرائيلية، تصعيدًا كبيرًا في الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة. بل من الطبيعيّ أن تُسهم وفاة أحد أبرز رجال النظام في تفاقم الأزمة الحالية، وأن تحمل تداعيات استراتيجية وإقليمية، لا سيّما في ما يتعلّق بنفوذ إيران في لبنان.
على مدى عقود، شغل علي لاريجاني مناصب عليا في الأجهزة الاستخباراتية والبرلمان، وكان مستشارًا بارزًا للقيادة العليا، حيث ساهم في صياغة سياسات قمع المعارضة وتعزيز سلطة الدولة. وبذلك، بات مساره السياسي غير قابل للفصل عن آليات السيطرة الاستبدادية في إيران.
شارك لاريجاني في بداياته في تصميم وتبرير إجراءات الأجهزة الاستخباراتية والأمنية، بما في ذلك التحقيقات القسرية، وهي تسمية ملطّفة للتعذيب، ما جعله جزءًا استراتيجيًا من آلة القمع الإيرانية، لا مجرّد مسؤول إداري. وامتدّ دوره إلى الاستراتيجية الإقليمية، حيث انعكس تأثيره على صياغة نفوذ إيران في السياسة والأمن بلبنان، عبر "حزب اللّه"، ما جعله يُوصَف بأنه أحد "مهندسي أسر لبنان". وعلى مدى عقود أيضًا، دافع لاريجاني عن الدورين المسلّح والسياسي لـ "حزب اللّه"، بل عارض علنًا جهود الدولة اللبنانية لحصر السلاح بيدها، وسعى إلى ضمان توافق القرارات السياسية اللبنانية مع الأهداف الإقليمية لطهران.
من الناحية العسكرية، يُرجَّح أن تُعطّل وفاة لاريجاني التنسيق الاستراتيجي لطهران ضمن الحرب الدائرة حاليًا، إذ كان يمثل حلقة وصل مركزية بين القرار العسكري والسياسي والدبلوماسي الإيراني. ومن شأن غيابه أن يخلق فراغًا موقتًا في القيادة، قد يفضي إلى تعزيز نفوذ الفصائل المتشدّدة داخل النظام.
كما يُتوقع أن تردّ طهران بتصعيد الضربات الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة ضد مواقع أميركية في العراق ودول الخليج وإسرائيل، سواء بدافع الانتقام أو لإظهار استمرارية قدرتها العملياتية. وفي الوقت نفسه، يُرجَّح تصاعد الحملات السياسية الداخلية لتصوير الضربة على أنها تهديد وجوديّ، بما يسهم في تعبئة الدعم الشعبي وحشد الميليشيات الحليفة.
وبعيدًا من التداعيات العسكرية والسياسية المباشرة، يُرجَّح أن تمتدّ آثار وفاة لاريجاني إلى ما هو أبعد من طهران، لا سيّما بالنظر إلى دوره كأحد أبرز الاستراتيجيين في رسم الأجندة الإقليمية لإيران، والحفاظ على نفوذها في لبنان. وعليه، قد تنعكس وفاته على الوضع العملياتيّ لـ "حزب اللّه"، وعلى الحسابات السياسية الداخلية اللبنانية. نظرًا إلى دوره التاريخي في تعزيز استقلالية "حزب اللّه" ونفوذه السياسي، وهو ما اعتبره منتقدون آلية لترسيخ السيطرة الإيرانية على سيادة لبنان.
فقد يلجأ "حزب اللّه" إلى التصعيد العسكري ضد إسرائيل، في محاولة لإظهار استمرار ولائه لطهران. كما لا يُستبعد اتساع نطاق ردوده الصاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة جغرافيًا، بما يزيد مستويات عدم الاستقرار في لبنان والمناطق المجاورة، ويُفاقم في الوقت نفسه التحدّيات التي تواجهها المؤسّسات السيادية.
في المقابل، من الطبيعي أن تسعى الأطراف اللبنانية المعارضة لنفوذ إيران إلى استغلال هذه اللحظة للضغط باتجاه تعزيز سلطة الدولة وتقليص استقلالية الميليشيات.
إقليميًا، يُتوقع أن تُحدث وفاة لاريجاني ديناميات جديدة تؤثر في مسار التصعيد العسكري والمناورة الدبلوماسية في الشرق الأوسط. ومن المرجّح أن تعزز السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي تنسيقها الدفاعي مع الولايات المتحدة، مع الدعوة في الوقت نفسه إلى ضبط النفس لتجنب اندلاع صراع إقليميّ أوسع. كما يُرجَّح أن تتبنى تركيا موقفًا متوازنًا، يُدين الضربة الإسرائيلية واحتمالات الردّ الإيراني، مع التأكيد على احترام القانون الدولي والحفاظ على الاستقرار، وربّما السعي إلى لعب دور الوسيط.
في الختام، صحيح أن وفاة علي لاريجاني لن تُشعل حربًا جديدة، لكنها ستُكثف الصراع القائم بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، لا سيّما أن مساره المهني، المرتبط ببنية الحكم السلطوي في إيران، قد جعله شخصية محورية في مشروع السيطرة الإقليمية.
من هنا، تمثل هذه اللحظة نقطة تحوّل، لكن ليس بمعنى قطيعة جيوسياسية، بل بوصفها تحوّلًا بنيويًا عميقًا. إذ يُرجَّح أن يشهد الداخل الإيراني مزيدًا من التشدّد، مع تعاظم هيمنة المقاربة الأمنية على الحكم. أمّا خارجيًّا، فيُتوقع أن يتجه السلوك الإقليمي نحو قدر أقلّ من الضبط السياسي وميل أكبر إلى الإكراه.
وبذلك، فإن تصفية لاريجاني لا تمثل نهاية سياسة بقدر ما تعكس نهاية أسلوب، أي الانتقال التدريجيّ من إدارة سياسية للصراع إلى منطق أمني صرف.