المصدر: نداء الوطن
الكاتب: د. جوسلين البستاني
الثلاثاء 21 نيسان 2026 07:09:41
لم تعد التصريحات السياسية الصادرة عن "حزب الله" مجرّد سجال حول مسار التفاوض مع إسرائيل، إذ إن ما يجري اليوم يتجاوز حدود "الكلام السياسي" ليصبّ في بنية الضغط التي بدأ "الحزب" بتشييدها حتى قبل وقف إطلاق النار. ومن أجل فهم ما يعكسه هذا الخطاب فعليًا، لا بدّ من تفكيك معناه السياسي والأمني، ولا سيما ما لم يُقل فيه. فاللغة هنا لم تعد مجرّد تعبير، بل باتت مؤشرًا على اتجاهات أعمق في توازنات الداخل.
تبدأ ملامح هذا المسار مع عضو المجلس المركزي في "حزب الله" بلال اللقيس، الذي حذر، في مقابلة مع NBC News، من احتمال انهيار الهدنة، رابطًا مسألة نزع السلاح بـ "رؤية وطنية". قد يبدو الحديث عن "رؤية أمنية وطنية" صياغةً محدثة توحي بانفتاح على إدماج مؤسساتي أو إشراف تقوده الدولة. غير أن قراءة دقيقة تُظهر أن هذا التعبير يعيد إنتاج المنطق نفسه الذي حكم موقف "حزب الله" لسنوات: لا يُرفض نزع السلاح بشكل مباشر، بل يُرحَّل إلى أجل غير مسمّى، بانتظار توافق وطني شامل لا يملك مسارًا واقعيًا للتبلور.
باختصار، ما كان يُقدَّم سابقًا تحت عنوان "الاستراتيجية الدفاعية" يُطرح اليوم بلغة أقل التباسًا وأكثر مباشرة، من دون أي تعديل فعلي في المضمون.
وفي السياق نفسه، تندرج مواقف نائب رئيس المجلس السياسي لـ "حزب الله" محمود قماطي، الذي وصف المفاوضات بـ "الفاشلة" ونزع عنها أي صلة بمفهوم "المقاومة". غير أن خطابه لا يقتصر على الاعتراض السياسي، بل يتجاوز ذلك إلى تقويض المسار الرسمي عبر سحب شرعيته السياسية والمعنوية، ما يضعف موقع الدولة التفاوضي داخليًا وخارجيًا.
لكن التحوّل الأكثر دلالة يظهر في خطاب الأمين العام لـ "حزب الله" نعيم قاسم، حيث تعكس تصريحاته انتقالًا نوعيًا في المقاربة السياسية، يتجاوز مجرد انتقاد المسار التفاوضي إلى إعادة تعريف ضمني لمصدر القرار السيادي في لبنان. ففي توصيفه لمفاوضات الدولة بأنها "فاشلة" و "لا تعني المقاومة"، لا يكتفي قاسم برفض المسار الدبلوماسي، بل يكرّس فصلًا واضحًا بين الدولة كفاعل تفاوضي، و "المقاومة" كفاعل سيادي مستقل.
هذا الفصل لا يعبّر فقط عن تمايز في الموقف، بل يؤسس عمليًا لازدواجية في المرجعية السيادية، حيث يُعاد تعريف من يملك حق القرار في قضايا الحرب والسلم خارج إطار الدولة، لا ضمنه.
الأهمّ هو التأكيد الصريح على أن "القرار الميداني والسيادي ترسمه المقاومة على الأرض"، وهي عبارة تنقل الخطاب من مستوى التوصيف إلى مستوى التأسيس، عبر تثبيت معادلة بديلة لمصدر الشرعية السياسية والأمنية. هنا، لا يعود النقاش محصورًا بفعالية التفاوض، بل ينتقل إلى مسألة أكثر جوهرية: من يملك حق تقرير الاتجاه الاستراتيجي للدولة.
ورغم تضمين الخطاب إشارات إلى "التكامل الوطني" والانفتاح على التعاون مع السلطة، فإن هذا الطرح لا يعكس شراكة متكافئة، بل يعيد تعريف التعاون ضمن معادلة مختلّة، تُوضع فيها القوة الميدانية في موقع المرجعية، فيما تُدفع المؤسسات الرسمية إلى موقع ثانوي. بذلك، لا يُطرح التكامل كإطار جامع، بل كصيغة مشروطة تُفرَض من خارج الدولة، لا تُبنى من داخلها.
أما التصعيد الأكثر حساسية، فيظهر في تصريح النائب حسن فضل الله، الذي قال إن "من يريد أن يكون أنطوان لحد سنقاتله كما قاتلنا الإسرائيلي". هنا، يتجاوز الخطاب حدود الخلاف السياسي لينزلق إلى منطق التخوين الضمني، عبر استدعاء رمزية الحرب الأهلية وربط خيارات سياسية محتملة بخطاب المواجهة الداخلية.
هذا الانزياح ليس تفصيلاً لغويًا، بل يمثل انتقالًا نوعيًا في وظيفة الخطاب: من توصيف الخلاف إلى ترهيبه. فتدرّج هذه التصريحات، من نزع الشرعية عن المفاوضات، إلى إعادة تعريف مصدر القرار، وصولًا إلى إدخال عناصر ردعية في النقاش الداخلي، لا يبدو عفويًا، بل يكشف عن بنية خطابية متماسكة ومقصودة، تتوزع أدوارها على مستويات مختلفة من القيادة، بما يعكس انسجامًا واضحًا في الرسائل الأساسية واتجاهها التصاعدي.
أخيرًا، ومن بين أكثر ردود الفعل حدّة على استعداد رئيس الجمهورية اللبنانية للدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، ما قاله مسؤول ملف الموارد والحدود في "حزب الله" نواف الموسوي، من أن رئيس الجمهورية، في حال تفرّده بخطوات في ملف التفاوض المباشر، "لن يكون بعد الآن رئيسًا مقبولًا من أحد في لبنان، فهو ليس أهم من أنور السادات الذي عندما انفرد بخطوة من هذا النوع قاطعه العرب جميعًا وعزلوه".
ينطوي هذا التصريح على تصعيد في الخطاب السياسي تجاه رئاسة الجمهورية اللبنانية، من خلال استحضار أنور السادات كمرجعية تاريخية. وعلى الرغم من أنه يُقدَّم في إطار مقارنة سياسية، إلا أن هذه الإحالة تستند إلى سابقة مرتبطة في الذاكرة العامة بانقسام سياسي حاد ونهاية دراماتيكية، ما يمنح التصريح طابعًا شديد الحساسية ومثيرًا للقلق. وبدلاً من أن يتضمن تهديدًا صريحًا، يعمل الخطاب عبر الإيحاء، مستخدمًا سابقة تاريخية لتكثيف الرسالة السياسية وإعادة طرح مسألة شرعية التفرّد في اتخاذ القرار.
وعند مقارنة المرحلة الحالية بما أعقب وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، يبرز تحوّل واضح في طبيعة الخطاب. فالمرحلة السابقة اتسمت بانكفاء إعلامي وانضباط سياسي نسبي، فيما تتسم المرحلة الحالية بكثافة أعلى وحدّة أوضح.
هذا التحوّل لا يمكن قراءته كدينامية داخلية معزولة، بل يرتبط مباشرة بمعطيات إقليمية وميدانية مستجدّة. وفي مقدّمها الحضور المباشر لعناصر من الحرس الثوري الإيراني في لبنان، ومستوى انخراطهم المتقدّم في إدارة المرحلة، ما يفسّر إلى حدّ بعيد تقاطع النبرة بين طهران وبيروت ضمن سياق إقليمي أوسع. بذلك، لا يبدو التصعيد مجرّد تبدّل في الأسلوب، بل انعكاسًا لإعادة تموضع تُدار على مستوى يتجاوز الساحة اللبنانية نفسها.
في المحصّلة، وبانتظار أي ردّ رسمي، لا يبدو هذا الخطاب مجرّد جدل سياسي عابر، بل جزءًا من مسار إعادة تشكيل تدريجي لبيئة القرار في لبنان، تُستخدم فيه اللغة السياسية كأداة ضبط وإعادة ترسيم لحدود الممكن والممنوع داخل المجال العام.