المصدر: إرم نيوز
الجمعة 25 أيلول 2026 13:19:07
دخلت أزمة جنوب لبنان منعطفاً ديبلوماسياً وسياسياً بالغ التعقيد، بالتزامن مع اقتراب الموعد النهائي لولاية قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) المقررة في الحادي والثلاثين من ديسمبر/كانون الأول 2026.
وكشفت مصادر غربية مطلعة، أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت الجانب الأميركي، فضلاً عن أعضاء مجلس الأمن الدولي، برفضها القاطع والنهائي للإبقاء على القوات الدولية في الجنوب وفق صيغتها الحالية.
وأكدت المصادر في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن هذا الموقف يضع لبنان والمنطقة أمام اختبار حقيقي حول طبيعة الترتيبات الأمنية المستقبلية، وسط مخاوف جدية من فراغ أمني قد يفتح الباب أمام مواجهات ميدانية جديدة، أو يفرض معادلات تخدم المصالح الإسرائيلية حصراً.
تحذير من فراغ يخدم إسرائيل
وتتقاطع هذه المعطيات مع تحذيرات أطلقتها أوساط سياسية وعسكرية لبنانية رفيعة المستوى من أن عدم التمديد لليونيفيل، أو عدم تشكيل قوة دولية بديلة، سيحدثان فراغاً لا يخدم الأمن والاستقرار في المنطقة.
وتأتي هذه التطورات في وقت تواصل فيه القوات الإسرائيلية محاولات فرض وقائع ميدانية جديدة على الواجهة الأمامية اللبنانية، متجاوزة في بعض النقاط الحدود المعترف بها دوليا، مما يزيد من تعقيد المشهد الميداني والسياسي ويجعل من ملف القوات الدولية ورقة ضغط أساسية في بورصة المفاوضات.
وترسم المصادر الغربية "لوحة قاتمة" للأهداف الإسرائيلية الكامنة وراء الإصرار على إنهاء مهمة اليونيفيل.
وترى أن تل أبيب لا تسعى فقط إلى تعديل لوجيستي على الأرض، بل تهدف إلى تفكيك البنية القانونية والسياسية التي حكمت الاستقرار الهش في الجنوب منذ عقود.
وتشير المصادر، إلى أن الدوافع الإسرائيلية في السعي إلى السيطرة الميدانية الكاملة على المواقع التي تشغلها اليونيفيل حاليا، تتلخص في تحويل هذه المواقع إلى نقاط مراقبة أو مناطق عازلة تحت إدارتها المباشرة، حيث يكمن الهدف الأساسي في إزاحة أي شاهد دولي قادر على توثيق العمليات العسكرية وعمليات تجريف القرى والبلدات.
وتؤكد أن رحيل القوات الدولية يمثل رفعاً للمظلة الأممية والشرعية الدولية عن لبنان، ما يجعله مكشوفاً بالكامل أمام أي مغامرة عسكرية مستقبلية، ويترافق ذلك مع رغبة إسرائيلية واضحة في تقليص النفوذ الأوروبي، ولا سيما الفرنسي والإيطالي، في الملف اللبناني، حيث تشكل هذه الدول العمود الفقري لليونيفيل وتتبنى مواقف متمسكة بسيادة لبنان.
وتهدف الإستراتيجية الإسرائيلية أيضاً، بحسب المصادر، إلى التحلل النهائي من مفاعيل القرار الدولي 1701، وكذلك الالتفاف على الاتفاقات الميدانية السابقة لفرض تطبيق اتفاق إطار جديد بالصيغة التي تخدم مصالحها الأمنية والسياسية فقط، من خلال انتزاع اعتراف بحرية الحركة العسكرية لجيشها في الأجواء والأراضي اللبنانية.
ويكمن الخطر الأكبر، وفقاً للمصادر الغربية، في السعي الإسرائيلي لإنشاء قنوات تنسيق مباشر مع الجيش اللبناني، مستغنية عن الوسيط الدولي المتمثل في اليونيفيل أو آلية التحقق الدولية ومجموعة التنسيق العسكري، وهو الطرح الذي ينظر إليه في بيروت على أنه محاولة التفافية لفرض تطبيع أمني قسري تحت مسمّى الترتيبات الأمنية المشتركة.
"ضغوط هائلة"
من جانبه، يؤكد المحلل السياسي جمعة سليمان النسعة وجود ضغوط دولية هائلة تمارس خلف الكواليس على الدولة اللبنانية.
ويوضح النسعة في تصريح لـ"إرم نيوز"، أن "واشنطن مررت رسائل لبيروت تتقاطع مع الموقف الإسرائيلي الرافض للتجديد الروتيني لليونيفيل، وطرحت خيارات صعبة تتراوح بين الإنهاء الكامل للولاية والانسحاب التدريجي، أو التمديد التقني والمحدود جدا لفترة قصيرة تكون مهمتها الأساسية التفكيك المنظم للمواقع ونقل المسؤولية الأمنية للجيش اللبناني".
ويشير إلى أن "الموقف الرسمي اللبناني يسعى، حالياً، إلى طرح اقتراحات ديبلوماسية مضادة تقوم على التمسك بالصيغة القانونية الحالية ونفس مفاعيل القرار 1701 لتفادي السقوط في الفراغ الأمني الفوري، وإتاحة المزيد من الوقت بانتظار اتضاح التوجهات السياسية الدولية".
ويقول النسعة، إن "الجانب اللبناني لا يريد الانجرار إلى نقاشات قد تفسر على أنها تراجع عن التزامات القرارات الدولية، إلا أنه أبلغ الأطراف المعنية عبر قنوات ديبلوماسية بأن لديه شروطا ومحاذير صارمة لليوم التالي لانسحاب القوات الدولية، وأن أي تجاوز للسيادة اللبنانية أو محاولة لفرض وصاية أمنية مباشرة للاحتلال ستقابل برفض ميداني وسياسي قاطع، ولا يمكن القبول بها تحت أي ظرف".
ويلفت الانتباه إلى أن "اليونيفيل لم تكن مجرد قوة مراقبة عادية، بل كانت تمثل الوسادة الأمنية التنسيقية التي تمنع الاحتكاك المباشر مع إسرائيل، وأن غياب هذه القوة يعني فقدان المجتمع الدولي لعيونه وآذانه في الجنوب".
ويخلص النسعة، إلى أن "المخطط الإسرائيلي يهدف إلى الاستفراد بالجيش اللبناني ميدانياً، وفرض معادلة تنسيق مباشر من دون وسيط دولي، وهو ما لن يقبل به لبنان لأنه يمس بجوهر السيادة الوطنية، ويشكل مدخلاً لتطبيع أمني مرفوض سياسياً وشعبياً".
يشار إلى أن قادة القوات الدولية أنفسهم يقرون بصعوبة الموقف في الغرف المغلقة، حيث تسربت تحذيرات من أن تسليم المسؤوليات يواجه تعقيدات بالغة، خاصة في المواقع التي تقع حاليا داخل مناطق التوغل والاشتباك، مما يجعل أي خطوة غير مدروسة بمثابة ضوء أخضر لتفجير الوضع بشكل أوسع.
وفي ضوء المعطيات السابقة، فإن لبنان يقف، اليوم، أمام استحقاق مصيري يتجاوز مجرد التمديد التقني لقوات حفظ السلام، ليتحول إلى صراع مفتوح على هوية الجنوب الأمنية والسياسية في المرحلة المقبلة.
ومع استمرار الضغوط على لبنان، يصبح البحث عن صيغة دولية تحمي السيادة اللبنانية أمراً بالغ الصعوبة، مما يفرض على الديبلوماسية اللبنانية التمسك بالشرعية الدولية ممثلة بالقرار 1701 كخط دفاع أخير في وجه المساعي الإسرائيلية لفرض ترتيبات أمنية أحادية الجانب.