رفع رواتب القضاة... رشوة أم تصحيح أجور؟

بات "الفلتان" هو الحالة العامة التي تتحكم فيها الفوضى والسياسات العشوائية على "مدّ عينك والنظر" دون حسيب أو رقيب. بتدبير من هنا وقرار من هناك بات الموظف في القطاع العام دمية بيد السلطة السياسية تتحكم به كيفما تشاء لتحقيق مآربها ومصالحها الخاصة.

ربما لا يكفي القطاع العام وتخبّط موظفيه ما بين استرداد الحقوق وتحسين الاوضاع المعيشية والاجتماعية على مرّ السنوات حتى تربصت بهم الازمة الاقتصادية ومعها انهيار الليرة ورواتبهم التي أصلًا لا تكفي، ليأتي الاضراب العام الذي شلّ البلد "المشلول" على خلفية المطالب القديمة – الجديدة والتي يبدو انها ستبقى تتجدد في ظل غياب الرؤية والاستراتيجيات الاقتصادية.

وما زاد اليوم من اعتراض الموظفين بدء بعض المصارف بتنفيذ التدبير الذي اتخذه مصرف لبنان برفع قيمة رواتب القضاة 5 أضعاف، حيث باتت يحتسب سعر صرف الرواتب على قيمة 8 آلاف ليرة لبنانية للدولار الواحد. وتجري العملية وفق قاعدة قسمة الراتب على سعر صرف 1515 وضرب الرقم بـ8 آلاف ليرة، وهو سعر الصرف الذي تعتمده المصارف لسحوبات الودائع بالدولار، ما يعني ارتفاع قيمة الرواتب بـ5.3 ضعف. بالرغم من التأكيدات القضائية بأن هذا التدبير يسعى لإعادة الانتظام لعمل المحاكم وتأمين ديمومة المرفق القضائي في ظل تدهور قيمة الرواتب.

وبات السؤال هنا يُطرح هل تعتبر هذه الزيادة رشوة أم تصحيحًا للأجور في "الجهنم اللبناني"، وهل سيكون لها تأثير على الاقتصاد؟

اقتصاديًا

وزير الاقتصاد الاسبق البروفيسور آلان حكيم وصف التدبير بأنه غلطة كبيرة تتعارض مع مبدأ المساواة بين موظفي وأفراد القطاع العام وتؤدي الى الإجحاف لناحية العدالة الاجتماعية.

واكد في حديث لـ  KATAEB.ORGأن هكذا قرار لن يكون له تأثير كبير على الاقتصاد وحجم الكتلة النقدية في السوق لان أعداد القضاة ليست كبيرة، وبالتالي وفي ظل كل ما يحصل من انهيار مالي ونقدي فلن يؤثر التدبير اقتصاديًا، مضيفًا:" ولكن في حال تم تطبيقه على كافة موظفي القطاع العام فذلك سيؤدي الى تضخم هائل وهذا متوقع اذا لم يكن اليوم فبعد فترة".

قضائيًا

الرئيس السابق لمجلس شورى الدولة​ القاضي ​شكري صادر أكد من جهته لموقعنا أن أي قرار أو زيادة تتعلّق بالمال العام تحتاج الى قانون وهذا ما حصل بموضوع سلسلة الرتب والرواتب ولكن لم يحصل اليوم، معتبرًا ان هذه الزيادة العشوائية غير معروفة المصدر تثير الريبة لدى رجال القانون بسبب عدم شرعيتها الظاهرة للعلن.

وأضاف:" اذا اخذنا بوجهة نظر وزير العدل الذي يؤكد أن الزيادة ليست من أموال الدولة إنما من الهبات التي تأتي الى صندوق التعاضد الذي بدوره يوزعها على القضاة عندما تتدهور أوضاعهم المالية فنحن نتفهم تحرك هذا الصندوق الخاص بالقضاة الذي وجد طريقة للمساعدة ودعم القضاء للاستمرار، وبما أن مهمة الوزير التأكد من قانونيّة هذه الزيادة فهو قد بارك هذه الخطوة".

وتابع:" أما وجهة النظر القانونية الصرف، فتعتبر الزيادة تركيبة مصدرها أموال الدولة وهذا لا يجوز، لذلك على مجلس القضاء الاعلى وصندوق التعاضد اصدار بيان رَفض لهذه الرشوة، كي لا يؤخذ على القضاة موافقتهم، من خلال هندسة حاكم مصرف لبنان المالية، على "تمنينهم" بهذه المبالغ وبالتالي يجب رفضها."

وإذ اشار الى ان التدبير أثار بلبلة في الجسم القضائي، أكد وجوب التريث لحين صدور موقف عن مجلس القضاء من شرعية هذه الزيادة، مضيفًا:" يضاف الى ذلك مشكلة ثانية وهي أن بعض القضاة قبضوا هذه الزيادة في وقت لا يزال البعض الآخر يتريث في اتخاذ الموقف المناسب كمدعي عام التمييز، وبالتالي يجب اصدار موقف واضح بسرعة حيال الموضوع لتوجيه القضاة".

ولفت الى أنه في حال كان حديث وزير العدل غير دقيق فسيكون هذا التدبير رشوة غير مباشرة.