زرّ واحد.. يعيد الثقة إلى المجلس النيابي

أعادت الجلسة الأخيرة لمجلس النواب اللبناني فتح نقاش قديم حول آلية التصويت داخل الهيئة العامة، بعدما تحوّل احتساب الأصوات إلى مادة خلاف سياسي، بين من يعتبر أن الإجراءات المتّبعة كافية، ومن يطالب بآلية أكثر وضوحًا تضع حدًا لأي التباس حول نتائج التصويت.

في البرلمانات الحديثة، لم يعد السؤال فقط حول مضمون القوانين التي تُقرّ، بل أيضًا حول كيفية إقرارها. فالثقة بالعمل التشريعي لا تُبنى على النتيجة وحدها، بل على وضوح المسار الذي أوصل إليها. ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من التصويت التقليدي القائم على رفع الأيدي أو التقدير البصري إلى نظام تصويت إلكتروني حديث وشفاف.

التصويت الإلكتروني لا يشكّل مجرد تحديث تقني، بل هو خطوة إصلاحية تعزز الديمقراطية داخل المؤسسة التشريعية. فهو يتيح تسجيل موقف كل نائب بشكل دقيق، ويحدد عدد المصوّتين المؤيدين والمعارضين والممتنعين خلال لحظات، ما يمنع أي جدل حول الأرقام أو طريقة احتسابها.

كما أن اعتماد هذه الآلية يرسّخ مبدأ المساءلة النيابية، إذ يصبح المواطن قادرًا على معرفة موقف ممثله من كل قانون أو اقتراح، بعيدًا عن المساحات الرمادية التي قد تنتج عن التصويت غير الموثّق. فالنائب الذي يمتلك تفويضًا شعبيًا يجب أن يكون صوته معروفًا وواضحًا أمام الرأي العام.

الدعوة إلى اعتماد التصويت الإلكتروني ليست وليدة الجدل الأخير داخل المجلس النيابي، بل سبق أن طُرحت كإصلاح تشريعي يهدف إلى تعزيز الشفافية والمحاسبة، من قِبل رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل الذي تقدم باقتراح قانون لاعتماد التصويت الإلكتروني في مجلس النواب عام 2011، انطلاقًا من مبدأ أن العمل التشريعي لا يكتمل من دون آلية واضحة تتيح معرفة كيفية تصويت النواب على القوانين.

فالهدف من هذا الاقتراح لم يكن استبدال طريقة بأخرى فقط، بل الانتقال بمجلس النواب من أسلوب يترك مجالًا للاجتهاد والالتباس، إلى نظام موثق يحدد بدقة عدد الأصوات المؤيدة والمعارضة والممتنعة، ويجعل كل نائب مسؤولًا بشكل مباشر عن خياره أمام الرأي العام.

وبعد سنوات على طرح هذا الإصلاح، أعاد الجدل الذي شهدته الجلسة الأخيرة التأكيد أن الحاجة إلى التصويت الإلكتروني الذي تقدم به الجميّل، لم تعد ترفًا تقنيًا، بل أصبحت مطلبًا أساسيًا لحماية صورة المؤسسة التشريعية وترسيخ الثقة بها.

إضافة إلى ذلك، يشكّل التصويت الإلكتروني ضمانة لموقع رئاسة المجلس نفسه، إذ يخفف أي نقاش حول طريقة إدارة الجلسات أو صلاحية إعلان النتائج، ويحوّل عملية التصويت إلى إجراء تقني موثق لا يخضع للتقدير.

لبنان الذي يسعى إلى بناء دولة المؤسسات لا يمكنه أن يبقي واحدة من أهم عمليات الديمقراطية، أي التصويت على القوانين، رهينة أساليب تقليدية لم تعد معتمدة في معظم البرلمانات الحديثة. فكما تطورت الإدارة العامة والخدمات الحكومية نحو الرقمنة، يجب أن تتطور السلطة التشريعية أيضًا نحو مزيد من الشفافية والفعالية.

إن اعتماد التصويت الإلكتروني في مجلس النواب ليس مطلبًا شكليًا ولا تفصيلًا إداريًا، بل هو جزء من معركة استعادة ثقة اللبنانيين بمؤسساتهم. فالقانون الذي يصدر عن ممثلي الشعب يجب أن يحمل ليس فقط ختم الإقرار، بل أيضًا وضوح الطريق الذي وصل عبره إلى الإقرار.

وفي زمن تتزايد فيه الحاجة إلى إصلاح الحياة السياسية، يجب أن يكون صوت النائب مسجلًا، فالشفافية تبدأ من لحظة التصويت.