المصدر: إرم نيوز
الخميس 24 أيلول 2026 12:37:00
تكشف معلومات خاصة لـ"إرم نيوز" عن سباق ميداني وأمني متسارع في جنوب لبنان على المواقع التي تستعد قوات "اليونيفيل" لإخلائها، مع محاولة إسرائيل توسيع نطاق سيطرتها حول عدد منها قبل بدء الانسحاب، في مقابل تحرك الجيش اللبناني لضمان انتقال المواقع إليه، بينما بدأ حزب الله بدوره تحركاً سياسياً وميدانياً لمنع حلول أي قوة أجنبية مكان القوات الدولية.
وقال مصدر أمني لبناني لـ"إرم نيوز" إن التحركات الإسرائيلية الأخيرة في المنصوري والخيام ومحاور زوطر–وادي السلوقي–دير سريان لا تُقرأ منفصلة عن اقتراب نهاية مهمة "اليونيفيل"، مؤكداً أن إسرائيل "تسابق الانسحاب لتعديل الخريطة على الأرض"، وتوسيع ما يعرف بـ"الخط الأصفر" بحيث تصبح بعض المواقع التي يفترض أن تتسلمها الدولة اللبنانية موجودة فعلياً خلف نطاق السيطرة الإسرائيلية.
وبحسب المصدر، فإن الهدف هو خلق "حزام تفاوضي" أوسع قبل تثبيت ترتيبات ما بعد "اليونيفيل"، بما يجعل تسليم بعض المواقع مباشرة إلى الجيش اللبناني متعذراً من دون تفاهم مسبق مع إسرائيل.
أكثر من نصف المواقع
ووفقا لمعلومات المصدر، فإن أكثر من نصف مواقع اليونيفيل باتت تقع حالياً في مناطق تسيطر عليها القوات الإسرائيلية، وأن تسليم بعضها إلى الجيش اللبناني سيكون "صعباً جداً". مشيرا إلى أن "اليونيفيل" تتبادل بالفعل مع الجيش معلومات عن المناطق الحساسة وكيفية التعامل معها بعد الانسحاب.
ويشير إلى وجود القوات الإسرائيلية في نحو 30 موقعاً عسكرياً في الجنوب، بينها ثمانية مواقع محصنة، فيما أنشئت ثلاثة مواقع محصنة جديدة في الخيام ومارون الراس وميس الجبل. كما رُصد توسع تدريجي خارج "الخط الأصفر" الذي حددته إسرائيل من جانب واحد، عبر عمليات هدم وتجريف وقطع طرق.
ويرى المصدر الأمني أن المسألة لم تعد تتعلق بأبنية "اليونيفيل" نفسها، بقدر ما تتعلق بالسيطرة على الطرق والمرتفعات ومداخل المواقع. فوجود القوات الإسرائيلية حول موقع دولي قد يكون كافياً، بعد إخلائه، لمنع الجيش اللبناني من الوصول إليه، وتحويل عملية التسليم المفترضة إلى ملف تفاوضي.
وظهرت ملامح هذا السيناريو في دير ميماس، عندما أدى تقدم إسرائيلي إلى احتكاك مع نقطة للجيش اللبناني، قبل معالجة الموقف عبر آليات التنسيق. وتكشف الحادثة هشاشة الحدود التي ترسمها إسرائيل لمنطقة انتشارها، إذ قال مصدر أمني في حينه إن إحداثيات "الخط الأصفر تبدو وكأنها تتغير كل يوم".
حزب الله يدخل السباق
في المقابل، لا يقف حزب الله بعيداً عن معركة وراثة مواقع القوة الدولية. وكشف المصدر الأمني أن الحزب يجري اتصالات سياسية لضمان أن يكون الجيش اللبناني وحده الجهة التي تتسلم المواقع التي ستخليها "اليونيفيل"، وأن لا تنتقل أي منها إلى قوة أوروبية أو متعددة الجنسيات قد تنتشر في الجنوب ضمن ترتيبات المرحلة المقبلة.
ولا يعترض الحزب، وفق المصدر، على انتقال المواقع إلى الجيش باعتباره مؤسسة لبنانية، لكنه ينظر بحساسية شديدة إلى احتمال تمركز وحدات أجنبية جديدة في مواقع تتمتع بإطلالة مباشرة على طرق وممرات يستخدمها، أو ربط هذه النقاط بمنظومات استطلاع ومراقبة غربية.
وهذه المخاوف ليست منفصلة عن طبيعة البدائل المطروحة. إذ تجري مناقشة مقترح أوروبي يتضمن تعزيز قدرات الجيش والقوى الأمنية اللبنانية في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع، إلى جانب أمن الحدود والموانئ والتدريب، فيما تعمل فرنسا وإيطاليا على بلورة ترتيبات مختلفة عن نموذج "اليونيفيل" الحالي.
طرق جديدة شمال الليطاني
الأكثر أهمية، وفق المعلومات الخاصة، أن استعدادات حزب الله لم تعد سياسية فقط. وقال المصدر إن الحزب بدأ تغيير بعض طرق الحركة ونقل المعدات والتخزين شمال الليطاني تحسباً لاحتمال إنشاء نقاط مراقبة جديدة مرتبطة بالجيش أو بالقوة التي قد تدعمه بعد خروج "اليونيفيل".
وتشمل المراجعة، بحسب المصدر، الطرق التي يمكن مراقبتها من المرتفعات والمواقع التي ستصبح مكشوفة إذا انتقلت إليها تجهيزات استطلاع حديثة، مع محاولة تقليل الاعتماد على مسارات ثابتة كانت تستخدم خلال السنوات الماضية.
ويشير ذلك إلى أن الحزب يتعامل مع مرحلة ما بعد "اليونيفيل" باعتبارها تغييراً في البيئة الاستخباراتية للجنوب، وليس مجرد استبدال جنود دوليين بآخرين.
الأرض تتحول إلى ورقة تفاوض
في هذا السياق، يقول الخبير العسكري والعميد المتقاعد منير شحادة، إن أهمية السيطرة الإسرائيلية على المرتفعات لا ترتبط فقط بقدرتها على المراقبة، إذ تمتلك إسرائيل أصلاً طائرات مسيرة وأقماراً اصطناعية ووسائل استطلاع متقدمة، وإنما بما تمنحه السيطرة الأرضية من قدرة على تحويل التفوق العسكري إلى أمر واقع جغرافي وورقة تفاوضية.
ويشير شحادة إلى فارق أساسي بين القدرة على مراقبة منطقة وقصفها وبين السيطرة الفعلية عليها وعلى طرق الوصول والمرتفعات المحيطة بها. فالإمساك بالأرض يتيح تثبيت منظومات مراقبة واتصالات، وتقييد حركة الطرف الآخر، وخلق عمق أمني لا توفره وسائل الاستطلاع الجوية وحدها.
كما يرى أن توسيع الانتشار الإسرائيلي يزيد الحاجة إلى تأمين الطرق والأجنحة ونقاط الإشراف، ما يجعل المرتفعات والممرات جزءاً أساسياً من أي محاولة لفرض واقع أمني طويل الأمد.
وهذا تحديداً ما يجعل مواقع "اليونيفيل" جزءاً من معركة أكبر من مجرد تسليم عقارات عسكرية. فقرار مجلس الأمن الذي مدد ولاية القوة للمرة الأخيرة يطالب بانسحاب إسرائيل شمال الخط الأزرق ورفع المناطق العازلة، مقابل انتشار السلطات اللبنانية وبسط سيطرة الدولة. لكن الخريطة الميدانية تتحرك أسرع من الخريطة الدبلوماسية.
ومع اقتراب نهاية المهمة، تبدو الأطراف الثلاثة وكأنها تستعد لليوم التالي منذ الآن؛ فإسرائيل تحاول الوصول إلى مواقع "اليونيفيل" من الخارج عبر السيطرة على محيطها، والجيش اللبناني يريد وراثتها باعتبارها نقاطاً سيادية، فيما يتحرك حزب الله لضمان ألا تتحول المواقع التي راقبت الجنوب طوال عقود إلى شبكة مراقبة جديدة تلاحق طرقه شمال الليطاني.