المصدر: اللواء
الكاتب: د. جيرار ديب
الجمعة 30 كانون الثاني 2026 07:50:56
اعتبر النائب أشرف ريفي أن «وفاة سجينين في ظروف مأساوية أمر غير مقبول أخلاقياً ووطنياً»، محذّراً من أن «السجون اللبنانية تحوّلت بفعل الاهمال والاكتظاظ إلى قنابل موقوتة».
هذا وكانت قد أصدرت المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، الاثنين 26 كانون الثاني، بياناً توضيحياً ردّت فيه على ما تمّ تداوله عبر مواقع التواصل الاجتماعي بشأن وفاة سجينين في سجني القبة - طرابلس، ورومية المركزي، وما رافق من مزاعم عن تقصير وإهمال في تقديم الإسعافات والرعاية الطبية.
لا نقاش في أنّ بيان القوى الأمنية عرض الوقائع كما هي وإن لا مسؤولية تتحمّلها كما يحاول البعض تسويقه، لكنّ المؤكّد أن توصيف ريفي واقعياً ويجب التوقف عنده وإظهار الجدّية في معالجته من قبل المعنيين، فسجون لبنان تحوّلت إلى «قنابل موقوتة» قد تنفجر في أي لحظة. هذا ما يعكس الواقع المذري الذي يعيشه اللبناني وسط دولة، عبر مؤسساتها، باتت شبه عاجزة عن تأمين الحدّ الأدنى من مقومات الحياة لمواطنيها، فكيف لمسجونيها؟
في إطار التصعيد في السجون، أعلن ليل الأحد 25 كانون الثاني، سجناء لبنانيون وسوريون في سجن رومية، تحديداً المبنى «ب»، الذي يضمّ الشيخ أحمد الأسير (المتهم الأول في أحداث عبرا 2012)، والجماعات الإسلامية الإضراب عن الطعام، محتجّين على تأخّر البتّ في ملفاتهم بعد سنوات من التوقيف دون محاكمات أو صدور أحكام نهائية، مما أثار اهتماماً واسعاً على منصات التواصل الاجتماعي. الإضراب هذا، سيتزامن مع التصعيد المنتظر من قبل أهالي الموقوفين الذين يطالبون الدولة اللبنانية بضرورة إصدار «عفواً» عاماً على كافة السجناء، الأمر الذي سيضع الدولة أمام تحدّي جديد في هذا الملف.
داخل سجن رومية المركزي وقاعات سجون أخرى يرفع السجناء الصوت مطالبين الدولة اللبنانية بأمرين، الأول تسريع محاكماتهم إذ إن منهم قد يكون قضى فترة محكوميته ولم يزل في السجن وحتى دون محاكمة، والثانية ضرورة من يعاني الأمرين من ناحية الاكتظاظ أو الخدمات غير المناسبة. وأما داخل أروقة البرلمان اللبناني فهناك نواباً محاصرين في قبل المحتجين والمعترضين، من نقابات مهن حرّة إلى موظفي الدولة إلى الأساتذة من التعليم الابتدائي إلى الجامعي وصولاً إلى المتقاعدين من المؤسسات العسكرية والأمنية الذين نصبوا الخيم في دلالة على اعتصام مفتوح قد يتحوّل إلى قطع طرقات وصدمات في الشارع.
ما بين الداخلين «مجلس النواب والسجون» لا قضايا تعالج في لبنان منذ تأسيس هذا البلد، بل دائماً هناك جرعات من المسكنّات التي تُعطى دون الولوج إلى تحديد جوهر الأزمة لمعالجتها جذرياً. فلبنان يرزح تحت عبء مشاكل بنوية مالية واقتصادية واجتماعية، واليوم يضاف إليها ربط نعيم قاسم أمين عام حزب الله مصير لبنان بمصير المرشد الأعلى في إيران، في دلالة على تواصل التوتر الداخلي بين مكونات لبنانية، ما دفع برئيس حزب الكتائب اللبنانية، سامي الجميل، ليعبّر على منصة «إكس» متوجهاً إلى قاسم بعبارة «فكّ عن لبنان»، هذا إن دلّ على شيء فعلى المشكلة التي يعاني منها لبنان ضمن انقسام عامودي بين مكوناتها ما يضع الحلول للأزمات المتلاحقة مؤجلة إلى أمد.
لا علاجات سحرية، والحكومة اللبنانية لا تمتلك «عصا سحرية»، ولا «فانوس علي بابا» لتعالج أزمات متراكمة البعض منها عمرها من عمر تأسيس هذا البلد. لهذا ستستمر معاناة المسجونين وسيتزايد عددهم، طالما باتت الجريمة في لبنان تتضاعف نسبة إلى تردي الواقع المعيشي وعدم قدرة الدولة على طرح الحلول، وبمكان ما لا رغبة لها في ذلك، خصوصاً في ما يتعلق في السجناء الإسلاميين في المبنى «ب»، الذين ترافق إضرابهم المفتوح عن الطعام مع اقتراب توقيع اتفاقية قضائية بين لبنان وسوريا، تقضي بتسليم السجناء السوريين المحكومين إلى بلادهم، هذا ما قد يزيد من أزمة السجون أكثر عند السجناء اللبنانيين الذين سيعتبرون أن هناك «ازدواجية المعايير» في التعامل مع هذا الملف الشائك والذي يدخل تحت خانة واحدة وهي «ملف الإسلاميين».
حلول «على القطعة» سياسة المجلس النيابي منذ ما بعد الطائف، ودولة شبه غائبة مع تردّي واقعها المالي والاقتصادي، هي التي تغرق في دين عام فاق المئة مليار دولار، ودمار لم يزل على حاله منذ اتفاق وقف النار بين حزب الله وإسرائيل عام 2024، واليوم يضاف دماراً جديداً يتمثل في مشكلة «سقوط الأبنية في منطقة طرابلس» ليضيف عبئاً جديداً على دولة «مهترئة».
«شكراً قطر»، عبارة أعاد اللبناني تردادها بعد زيارة الوفد القطري، برئاسة وزير الدولة الدكتور محمد بن عبد العزيز الخليفي على مبادرة دولة قطر لدعم إعادة الإعمار، ومشكورة كل دولة صديقة تقف إلى جانب لبنان لإخراجه من أزماته. لكنّ المطلوب من اللبناني أن يلاقي هذه الدول الداعمة في إعلاء الشأن العام على المصلحة الخاصة وطرح الحلول الجذرية بدل الآنية، بدءا من معالجة مسألة السجون أولاً.