المصدر: إرم نيوز
الخميس 27 آب 2026 12:12:43
في مؤشر بارز على عمق الاختناق المالي الذي يطوّق الاقتصاد الموازي لميليشيا حزب الله في لبنان، بدأت الفروع المتبقية لجمعية مؤسسة القرض الحسن تطبيق إجراءات تقنين غير مسبوقة على منح القروض المالية بالدولار الأمريكي.
ويأتي هذا التحوّل اللوجستي المشدد كترجمة عملية لبدء ظهور التأثيرات الخانقة للحزمة الأخيرة من العقوبات والإجراءات الأمريكية الصارمة. حيث نجحت هذه الضغوط في محاصرة قنوات التدفق التقليدية وتجفيف منابع الدعم الخارجي للحزب، ما قطع شريان السيولة المعتاد وأجبر الأذرع المالية على الانكفاء لإدارة مخزون دولاري شحيح.
حصر التعامل بالذهب القياسي
وكشفت مصادر لبنانية، أن المنظومة المالية للحزب باتت تعاني من شح حاد وجاف في السيولة بالعملة الصعبة، ما دفعها إلى رهن تقديم أي دولار بشروط بالغة التعقيد تقتضي حصر المعاملات برهن المعادن الصلبة النقدية المتمتلة بالليرات والأونصات الذهبية القياسية مستثنية المصاغ المشغول التقليدي.
ويعكس هذا التحوّل اللوجستي بحسب المصادر التي تحدثت لـ"إرم نيوز"، انتقال الحزب إلى استراتيجية طوارئ مالية قصوى لتغطية فجوة الالتزامات المتعاظمة الناتجة عن ملف النزوح الثقيل خاصة في ظل تشديد الحصار الأمريكي على المنابع الرئيسية التي تغذي الحزب خلال الأيام الماضية.
وشكلت جمعية القرض الحسن منذ عقود الركيزة الأساسية للبيئة الحاضنة للحزب، متجاوزة في دورها النظام المصرفي التقليدي المأزوم في لبنان. إلا أن الانعطافة الأخيرة المتمثلة في وضع ضوابط خانقة على الاقتراض بالعملة الخضراء تؤكد أن الحزب مجبر على إعادة توجيه ما تبقى من ودائع نقدية نادرة لخدمة بند استراتيجي واحد، وهو الدعم الاجتماعي والتشغيلي للأسر المهجّرة من الجنوب والضاحية وتلك التي فقدت بيوتها بالكامل.
تراكم الضربات الهيكلية المتزامنة
وتشير المصادر اللبنانية، إلى أن معلومات مالية خاصة حصلت عليها دوائر المتابعة في بيروت أظهرت أن كميات الدولار المتدفقة من قنوات الحزب الخارجية انخفضت خلال الفترة الماضية بمعدلات قياسية نتيجة لتكامل 3 ضربات متزامنة، تبدأ بالاستهدافات الهيكلية العسكرية المتكررة التي طالت مقرات الجمعية وخزائنها التحت أرضية، ما شتت مراكز الإدارة النقدية وخلق مصاعب لوجستية في نقل وتخزين الأموال.
ويضاف إلى ذلك اشتداد الخناق الرقابي الدولي والعقوبات الصارمة على الأفراد والشركات والشبكات العابرة للحدود التي تستخدمها الضاحية لتمرير العملة الصعبة.
وترافق الحصار مع التكلفة الخيالية المباشرة لملفات الإيواء والإغاثة التي تقع على عاتق الهيكل المؤسساتي للحزب تجاه بيئته المباشرة عقب الحروب المتتالية، حيث يتطلب هذا الملف ملايين الدولارات شهرياً كسيولة ورقية فورية لشراء الأساسيات ودفع المساعدات الطارئة للمتضررين.
دوافع منع قبول المصاغ
وتنقل المصادر اللبنانية المطلعة على حركة الأسواق الموازية تفاصيل دقيقة حول التعديلات الأخيرة التي أدخلتها الإدارة المالية للحزب على نظام الرهن، حيث صدر تعميم داخلي لفروع القرض الحسن يقضي بوقف قبول الذهب المصاغ المشغول وحصر قبول الرهائن بالليرات الذهبية والأونصات القياسية الصافية.
وتشرح المصادر أبعاد هذا القرار الجديد نقلاً عن كواليس المؤسسة بأن هذا التحول يهدف أولاً إلى تسهيل عمليات النقل والإخفاء، لأن الذهب المشغول يأخذ مساحات ضخمة ويصعب توضيبه ونقله بسرعة في حال حدوث توترات أمنية أو غارات مفاجئة، بعكس الليرات والأونصات التي يمكن تخزين كميات هائلة منها بملايين الدولارات في صناديق بالغة الصغر وسهلة التمويه.
كما يسعى القرار إلى تفادي خسائر المصنعية لأن المصاغ العادي يفقد جزءاً من قيمته عند التسييل بسبب حسابات الشوائب في حين أن الأونصات القياسية تمثل قيمة نقدية عالمية صافية يمكن تحويلها إلى دولار ورقي في أي سوق سوداء أو إقليمية بلحظات ودون عناء حسابات الصياغة.
ومن خلال هذه الشروط التعجيزية تسعى المؤسسة إلى كبح جماح المقترضين العاديين، والتحوّل إلى ما يشبه البنك المركزي المصغر الذي يحتفظ بالدولار الأمريكي لحساب قيادة الحزب العليا لضخها حصراً في شريان مساعدات النزوح وإعادة الإعمار.
رقابة دولية تفضح الالتفاف
ويرى الباحث الاقتصادي الدكتور خالد أبو شقرا في تصريحات تحليلية سابقة، أن محاولات الحزب الالتفاف على الضغوط الدولية عبر تغيير آليات العمل أو محاولة ابتكار مسميات جديدة للهروب من العقوبات لم تعد تنطلي على دوائر الرقابة الدولية التي باتت ترصد كل شاردة وواردة في اقتصاد الكاش اللبناني.
واعتبر، أن حصر الرهونات بالأصول الذهبية المعيارية يعكس تحولاً من الصيرفة الاجتماعية إلى التحوط النزاعي الاستراتيجي.
من جانبه يرى المحلل السياسي ميشيل أبو نجم أن الإجراءات الجديدة لما تبقى من فروع القرض الحسن تعني عملياً أن الحزب يمر بأزمة سيولة بنيوية خانقة.
ويؤكد، أن لجوء أي مؤسسة مالية موازية إلى بيع أو تسييل أو التشدد الصارم في حيازة أصول الذهب مقابل الدولار، وبأسعار قد تقل أحياناً عن السوق الحرة لتأمين كاش فوري، يثبت بالدليل القاطع أن تدفقات العملة الصعبة من الداعمين الإقليميين تراجعت إلى حدودها الدنيا نتيجة الرقابة المشددة وتغير الأولويات الإقليمية.
تزايد السخط الشعبي المكتوم
ويضيف أبو نجم، أن الذهب كان يمثل خط الدفاع الأخير وملاذ الأمان للمودعين اللبنانيين الذين فقدوا الثقة بالبنوك الرسمية عقب انهيار العام 2019، واليوم يجد المواطن المقترض نفسه أمام معادلة قاسية تضطره إما للتخلي عن مدخراته الصافية من الليرات الذهبية للحصول على بضع مئات من الدولارات، أو مواجهة الأعباء المعيشية منفرداً، بينما تذهب تلك الأصول الذهبية لدعم شبكة التزامات الحزب السياسية والعسكرية والاجتماعية.
ويتابع، من المتوقع على المدى المنظور، أن تترك هذه الإجراءات التقنينية آثاراً سلبية حادة على القاعدة الشعبية التي تعتمد على هذه القروض لتأمين الطبابة والتعليم وبدلات إيجار السكن في ظل دولة لبنانية مفككة وغائبة تماماً عن السمع والمبادرة.
ويؤكد أن حالة السخط المكتومة بدأت تطفو على السطح بشكل لافت، حيث يشتكي مقترضون من أنهم باتوا عاجزين عن سحب قروضهم التقليدية لمجرد أنهم لا يملكون أونصات ذهبية بل مجرد قطع مصاغ عائلية ورثوها عبر الأجيال والتي رفضت فروع المؤسسة استقبالها مؤخراً تحت ذريعة التعليمات الجديدة.
سقوط القلعة المالية للحزب
وتُؤكد التحولات الميدانية واللوجستية في "القرض الحسن" أن القلعة المالية لـ"حزب الله" -التي طالما وُصفت بالعصية على الانهيار والعابرة لجاذبية الأزمات اللبنانية- باتت رسمياً عاجزة عن إحداث التوازن بين التزاماتها الاجتماعية ونفقاتها التشغيلية والاضطرارية.
ولم تعد سياسة تقنين الدولار واشتراط الذهب المعياري سوى واجهة لواقع أكثر قسوة خلف الكواليس، واقع يئن تحت وطأة شح متزايد في السيولة ومخازن نقدية استنزفتها الحروب وبيئة النزوح، وسط ضغوط محلية ودولية تجعل من استمرارية هذا النظام المالي الموازي أمراً متعذراً.