المصدر: سكاي نيوز
الثلاثاء 21 نيسان 2026 10:59:37
في خضم تحولات متسارعة تعصف بالمشهد اللبناني وتداعياته الإقليمية، قدّم الكاتب الصحفي نايف عازار، خلال حديثه لسكاي نيوز عربية، قراءة تحليلية لمآلات الوضع اللبناني، مشخصا العقدة المركزية التي تتحكم في مسار أي تسوية محتملة: ملف سلاح حزب الله.
فبينما تتحرك الدبلوماسية اللبنانية بخطى حذرة نحو ترتيبات أمنية، تتشابك الحسابات الإيرانية والإسرائيلية لتضيق هامش المناورة أمام بيروت، وتجعل من كل خطوة إلى الأمام رهينة لشروط وتوازنات بالغة التعقيد.
لقاء السفيرين يكسر جدارا من الحساسيات التاريخية
أشار عازار إلى أن ما حققته الدبلوماسية اللبنانية في الآونة الأخيرة يمثل منجزا لافتا، إذ أسفرت جهود رئيس الجمهورية وسفيرة لبنان في واشنطن، إلى جانب اتصالات السفير الأميركي في بيروت، عن تحقيق أول لقاء مباشر وجها لوجه؛ وهو ما وصفه عازار بأنه "غاية في الأهمية"، نظرا لما كان يكتنفه من حساسية تاريخية حالت دون مثل هذا التواصل المباشر في السابق، منبها إلى أن اللقاء جرى "وجها لوجه وليس في غرفة متقابلة"، وهو ما يحمل دلالة بروتوكولية ودبلوماسية بالغة.
وأوضح عازار أن اتفاق وقف إطلاق النار جاء "صامدا" بين مزدوجين، في إشارة إلى هشاشته النسبية، لافتا إلى أن إسرائيل تواصل ضرباتها في حين لم يطلق حزب الله أي صاروخ حتى تاريخ الحديث.
وأشار إلى أن لقاء جديدا كان مقررا بين السفيرين في وزارة الخارجية الأمريكية، مع احتمال تمديد الهدنة التي كانت تنتهي صبيحة الأحد.
وقال إن "الأمور تسير على السكة الصحيحة حتى الآن"، غير أنه استدرك بأن هذه ليست سوى "الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل"، ومشيراً إلى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون لا يمكنه الحديث عن اتفاق سلام بهذه السرعة، لأن "العمل السياسي تراكم والمفاوضات متدرجة".
نتنياهو بين ضغط الداخل ومشروطية الاتفاق
على الصعيد الإسرائيلي، رصد عازار تباينا في الموقف الإسرائيلي، إذ أشار إلى أن بنيامين نتنياهو كان شخصيا معارضا لوقف إطلاق النار، بل يقال إنه "صدم" حين طالبه الرئيس الأميركي بالقبول به، فيما يواجه امتعاضا من اليمين المتطرف الرافض لأي هدنة مع لبنان.
ورأى عازار أن نتنياهو يخاطب اليوم شارعه الداخلي بالقول إنه "ذاهب إلى اتفاق سلام مع لبنان"، لكن مع التأكيد على أن نزع سلاح حزب الله يسبق ذلك.
ونقل عازار تصريح نتنياهو الصريح بأنه "إن لم تنزع الحكومة اللبنانية سلاح حزب الله فهو سيفعل ذلك بنفسه"، مضيفا أن رئيس الوزراء الإسرائيلي لن يوقع أي اتفاق مع لبنان قبل حسم هذا الملف.
وفي السياق العسكري، لفت عازار إلى أن إسرائيل باتت تسيطر على 18 تلة وقاعدة عسكرية في لبنان، بعد أن كانت تسيطر على 5 تلال حاكمة، فيما دخلت في العمق اللبناني وأوجدت ما وصفه بـ"الخط الأصفر"، مستنسخة بذلك سيناريو مشابها لما فعلته في غزة التي تسيطر على 54% من مساحتا، وفي سوريا حيث تمسك بأراض واسعة في جبل الشيخ. وخلص إلى أن إسرائيل "لن تخرج من جنوب لبنان قبل أن تتيقن من أنها سحبت سلاح حزب الله".
سلاح حزب الله.. معضلة التطبيق بعد قرار المبدأ
وصف عازار ملف سلاح حزب الله بأنه "المعضلة الكبرى والطامة الكبرى" في المشهد اللبناني. وأشار إلى أن الحكومة اللبنانية اتخذت قرارَين وصفهما بالتاريخيين: نزع سلاح الحزب، واعتبار جناحه العسكري والأمني جهة خارجة عن القانون، فضلا عن إعلان بيروت مدينة منزوعة السلاح. غير أنه نبه إلى أنه "لم ير بعد أي عمليات تطبيقية على أرض الواقع".
وأكد عازار أن نزع سلاح حزب الله "هو أصلا مطلب لبناني رسمي، ومطلب السواد الأعظم من اللبنانيين، وحتى مطلب بيئة حزب الله نفسها تحت الضوء"، مبررا ذلك بأن حروب الحزب لم تكن دفاعا عن لبنان، بل كانت الأولى "نصرة للنظام الإيراني"، والأخيرة "نصرة لقطاع غزة"، لافتا إلى أن الحزب "لم يرد الاعتداءات الإسرائيلية كما الكل يعلم طيلة 15 شهرا"، وهو ما أثبت بحسب وصفه أنه "فصيل إيراني كامل الولاء والمواصفات".
وتناول عازار إشكالية عقيدة الجيش اللبناني، مشيرا إلى أنها منذ انتهاء الحرب الأهلية في التسعينيات "كانت موجهة للمعارضة اللبنانية التي تتعارض مع حزب الله والنظام السوري"، وهو ما يجعل تحرك قادة الجيش خارج هذه العقيدة أمرا غير يسير.
ونفى أن يكون هناك خطر حرب أهلية حقيقي، مستندا إلى أن "هناك فريقا واحدا مسلحا في لبنان، فمع من سيصطدم؟ لا وجود لفريق مسلح آخر".
إيران تمسك بالخيوط.. وحزب الله يراوغ سياسياً
رسم عازار صورة مفصلة للأسلوب الإيراني في إدارة الملف، مشيرا إلى أن طهران "توجد التفاوض كما تحاك السجادة العجمية وتوزع الأدوار"، في إشارة إلى التكتيك الإيراني في المماطلة وكسب الوقت.
وانتقد التصريحات التي يطلقها نواب حزب الله ومسؤولوه يوميا من تهديدات بـ"تحرير جنوب الليطاني" وانتقادات لرئيس الجمهورية وما وصفه بـ"تلفيق الروايات".
في المقابل، أشار عازار إلى أن "إيران ربت أذرعها منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وأبرزها في لبنان"، موضحا أن حزب الله يوصف بأنه "درة تاج إيران"، وأنه "يُؤرق إسرائيل أكثر مما كانت تؤرقها حركة حماس".
وأضاف أن "ما بناه الإيرانيون على مدى أكثر من 45 عاما هم بحاجة لاستخدامه الآن"، ملمحا إلى أن إيران قد "تبيع" حزب الله على طاولة المفاوضات في لحظة ما، لأنها "ربته كي تستفيد منه في نهاية المطاف".
واستند في ذلك إلى ما أعلنه الرئيس الأميركي من أن إيران وافقت على وقف تمويل حزب الله وحماس، ملاحظا أنه "لم يكن هناك متابعة لهذا الخبر".
مسار السلام.. شروط متشابكة وخطوات متدرّجة
وأكد عازار أن لبنان "غير مربوط لا بسوريا ولا بإيران"، لكنه في الوقت ذاته لا يستطيع بلوغ اتفاق سلام "قبل أن تصل إليه إسرائيل ودول عربية أخرى".
ورأى أن ما يمكن التوصل إليه في مرحلة أولى هو "اتفاق أمني أو اتفاق عدم اعتداء"، على غرار ما يجري في المسار السوري، ملاحظا أن سوريا تحت القيادة الجديدة "تسبق لبنان بخطوات سريعة، ولكن حتى الآن لم يتم التوصل إلى اتفاق أمني" هناك أيضا.
وخلص عازار إلى أن الحل الذي يصفه بـ"الأفضل للبنان ولبيئة حزب الله وللطائفة الشيعية" يكمن في تحول الحزب إلى "حزب سياسي كسائر الأحزاب اللبنانية، كي ينخرط في لبنان"، مستحضرا تجربة ما بعد الحرب الأهلية حين "دخلت كل الأطراف في الدولة اللبنانية".