المصدر: أساس ميديا
الكاتب: جوزفين ديب
الأحد 4 تشرين الأول 2026 07:25:48
بين واشنطن والجنوب يتحدّد امتحان المرحلة المقبلة: كيف تستعيد الدولة حضورها في منطقة لا تزال تحت النار؟ كيف تثبّت مهمّات جيشها الذي يتعرّض لضغوط وانتقادات في الكواليس؟
في النبطيّة، يحاول رئيس الحكومة نوّاف سلام إعادة مؤسّسات الدولة وبدء ورشة مناقصات وإعمار، من دون ضمانات أمنيّة من أيّ جهة. وفي واشنطن، فتح لقاء سلام مع وزير خارجيّة الولايات المتّحدة ماركو روبيو نقاشاً جدّيّاً حول لجنة التحقّق لتتولّى تحديد ما يُطلب من كلّ طرف، وتقييم ما ينفّذه على الأرض.
ليست المسألتان منفصلتين. فعودة الدولة إلى الجنوب تحتاج إلى مساحة تتحرّك فيها مؤسّساتها، وإلى جيش يعرف بوضوح ما هي مهمّاته وما حدودها. أمّا ترك التقييم للتقديرات المنفردة، فيحوّل أداء الجيش إلى مادّة اتّهام وضغط، ويتيح استخدام هذه الاتّهامات لاحقاً لمساءلة الدولة كلّها.
ضغط على الجيش… وسؤال عن القرار
في الكواليس السياسيّة في واشنطن وتل أبيب، يتجاوز الكلام المتداول عن الجيش ملاحظات على أدائه. فقد طُرحت تصوّرات لتشكيل وحدات خاصّة تتولّى مهمّات مرتبطة بتنفيذ اتّفاق الإطار، بالتوازي مع اعتراضات إسرائيليّة على ضبّاط والمطالبة بإبعاد بعضهم عن مناطق جنوب الليطاني وشماله. ومهما تكن مآلات هذه الطروحات، فهي تكشف أنّ النقاش لا يدور حول ما يفعله الجيش فحسب، بل أيضاً حول من يحدّد مهمّاته وترتيبات انتشاره.
هنا تكمن خطورة التشكيك في دور الجيش في الكواليس: قد يُقدَّم التشكيك بأدائه بوصفه تقييماً عسكريّاً، فيما يحمل في الوقت نفسه ضغطاً سياسيّاً على المؤسّسة والدولة. وإذا تُركت مرجعيّة الحكم لطرف واحد، أمكن تحويل كلّ خطوة لبنانيّة إلى امتحان جديد، وكلّ تأخير أو تعذّر إلى دليل اتّهام، فيما تبقى الالتزامات الإسرائيليّة خارج المعيار نفسه.
نافذة التّحقّق التي فتحها لقاء واشنطن
في هذا السياق، اكتسبت لجنة التحقّق أهميّة تتجاوز كونها آليّة تقنيّة. فبحسب معلومات “أساس”، استحوذت اللجنة على حيّز مهمّ في لقاء سلام ووزير الخارجيّة الأميركيّ ماركو روبيو. وتقول مصادر حكوميّة إنّ دورها هو تحديد الخطوات المطلوبة من كلّ جانب، ليُبنى على التنفيذ تقييم مدى التزام كلّ طرف بواجباته.
تضيف مصادر مطّلعة على اللقاء أنّ الجانب الأميركيّ تمسّك بضرورة تشكيل اللجنة، وأنّ روبيو أوعز إلى فريقه بالبدء بالعمل على المشروع. وتُطرح إيطاليا لتكون عضواً فيها إلى جانب سويسرا، من دون أن تكون تركيبتها قد حُسمت نهائيّاً.
بهذا المعنى، فتح سلام نافذة لتحديد دور الجيش ضمن مسار سياسيّ واضح، بدلاً من تركه في مواجهة اتّهامات متبدّلة. فاللجنة، إذا اتُّفق على صلاحيّاتها وآليّة عملها، يمكن أن تضع خطوات كلّ طرف أمام معيار واحد: ما الذي أنجزه لبنان في بسط سلطة الدولة؟ ما الذي قابل ذلك من انسحاب إسرائيليّ؟ أين تقف كلّ مرحلة قبل الانتقال إلى التالية؟ وعليه، هكذا تتشكّل وظيفة التحقّق في مسار يقوم على التبادليّة والمرحليّة: أن يحدّد الوقائع ويمنع طرفاً من الانفراد بتفسيرها.
لكنّ تثبيت ضرورة اللجنة لا يعني أنّ الخلافات حُلّت. فما يزال المطلوب الاتّفاق على تركيبتها، والجهة التي تتولّى التحقّق الميدانيّ، وكيفيّة رفع التقارير والتعامل مع الخروقات. لذلك يشكّل ما جرى في لقاء روبيو تقدّماً في فتح النقاش على آليّة مشتركة، فيما يبقى الامتحان في تحويلها إلى صيغة قابلة للتطبيق.
سلام في النّبطيّة… بلا ضمانات أمنيّة
على الأرض في الجنوب، جاءت زيارة سلام الثالثة في النبطيّة لتؤكّد أنّ حضور الدولة لا ينتظر حسم هذه النقاشات. فالزيارة التي حصلت تحت عنوان إجراء المشاريع والمناقصات وعودة المؤسّسات، لم تُحصّن بحسب المعلومات بضمانات أمنيّة من أيّ جهة، لكنّها في مفهوم رئاسة الحكومة ضروريّة لإثبات وجود الدولة حتّى في المناطق الواقعة تحت النار، لأن عودة الدولة لا تُقاس بالزيارات وحدها، بل بقدرة المراكز والخدمات والمشاريع على الاستمرار، وبمدى إمكان حماية الأهالي وتثبيتهم في أرضهم.
هنا يلتقي مسارا واشنطن والجنوب: لجنة تحدّد مسؤوليّة كلّ طرف، ودولة تثبت حضورها على الأرض رغم غياب الضمانات.
نجح لقاء روبيو سلام في إطلاق ورشة عمل لتشكيل لجنة تحقّق حول الجهة التي تقيّم أداء الجيش وتحدّد الخطوات المتبادلة. أمّا التحدّي الآن، فهو أن تصبح هذه الآليّة مقبولة وفاعلة لدى الطرفين. لأنّ المطلوب من روبيو لم يعد إقناع لبنان بضرورة تنفيذ ما عليه، بل إقناع إسرائيل بأنّ التحقّق يشمل التزاماتها هي أيضاً.