"سمسرات وفساد".. التعليم المهني والتقني على خُطى المدارس الرسميّة و"الرابطة" في مهب التَسْييس!

تعتبر الموارد البشرية احد المقاييس التي تقاس بها ثروة الدول والشعوب، باعتبار ان هذه القوى تؤثر في الحياة الاجتماعية والاقتصادية، فالعنصر البشري ومستوى جدارته عامل حاسم لتحقيق التطور.

ومن هنا تأتي أهمية تنمية المواهب البشرية من جوانب متعددة:

- الجانب الأول اقتصادي، ويتمثل في العنصر البشري المدرّب والمؤهل لسوق العمل.

- الجانب الثاني اجتماعي، ويتجلّى في ان التعليم يضاعف قدرات الفرد الذهنية والفكرية.

- الثالث والأهم هو الجانب الأمني، حيث ان التعليم المهني يدّخر فرص التعليم، والعمل للكوادر العلمية والمهنية المتخصصة، القادرة على الاكتشاف والابتكار والاختراع والتطوير، بما يسهم في ابتداع نقلة حضارية، بما في ذلك التطور التقني في مجالات الحياة المختلفة للمجتمع.

لهذه الاسباب التدريب المهني مهم!

بالمقابل، يعد التعليم المهني مقدمة في أي خطة للتنمية، وهو المدخل الذي يمكنه تغيير عالم العمل والاقتصاد، والحد من الفقر، وتحسين المجتمع ونوعية الحياة والمعيشة، وهو جزء أساسي من تمرين الفرد، وتأهبه للحياة العملية وتأهيله لها.

تدمير بإصرار وتصميم!

بالموازاة، ان الكلام عن التدمير الممنهج لقطاع التعليم المهني لصالح المدارس والجامعات الخاصة ليس امرا مستغربا، لان صورة المسؤولين اليوم تكاد تُفصح بجلاءٍ ما بعده جلاء، عن أن جزءاً كبيراً من هؤلاء كناية عن أجسام طائفية تسير بانتظام وراء كرّازها بلا تفكير، فتنعطف حيث ينعطف وتتوقف حين يتوقف. وهي نخب فاسدة ومتهالكة على جمع الثروة بأي طريقة، ولا تخجل من الرضوخ لزعماء الطوائف وتوابعهم من رجال السياسة الجشعين، الذين لم يتورّعوا حتى عن سرقة لقاحات كورونا بطريقة مهينة ومبتذلة يرفضها احقر اللصوص. ولو كان في لبنان عدلٌ، لامتلأت السجون بأولئك الذين منحوا أنفسهم صفة المسؤولية، لأن لبنان لا يعاني نقص الأموال بل كثرة اللصوص، ولولا النواطير لحملت الكروم القناطير، لان سياسة المحاصصة وتقسيم "الجبنة" قائم منذ ما بعد الحرب الاهلية حتى أيامنا هذه.

في سياق متصل، أكد مصدر في القطاع المهني لـ "الديار" ان "تدمير هذا القطاع مقصود ومنظّم من قبل جهات سياسية تمتلك معظم الجامعات والمدارس الخاصة. مع العلم ان الاقتصاد المتطور في البلدان المتقدمة، يعتمد في شتّى مجالاته على المتخرجين المهنيين، الا في لبنان دائما يحدث العكس". أضاف "على الرأي العام اللبناني معرفة ان المتعاقدين يشكلون أكثر من 90% من الجسم التعليمي المهني ، والاختلال في بعض المهنيات واضح، بحيث يوجد مدير واحد في الملاك، والأساتذة جميعهم من المتعاقدين. وهؤلاء يترتب عليهم مسؤولية التعليم والنظارة والإدارة والتصحيح، ووضع الاختبارات والمراقبة في الامتحانات الرسمية ومتابعة عمل اللجان".

تابع "منذ العام 1997 لم يحصل المتعاقدون في المهني على فرصة مباراة واحدة في مجلس الخدمة، وهذا يؤكد على وجود تقاطع مصالح تعود لسياسيين ونافذين لكسر هذا القطاع الحيوي"، واشار الى "ان طلاب المهني في لبنان هم من انجح المتخصصين، سواء في مجال الميكانيك او التربية الحضانية او التمريض او الاشغال والبناء او التكنولوجيا والمحاسبة. فالتلميذ الذي يدخل الى القطاع المهني، عليه ان يمرّ بعدة مراحل بدءا بالـ (BT) مرورا بـ (TS) وصولا الى (LT)، فيتخرّج وهو خبير بسوق العمل، ولديه قدرة على استلام مهنته والنجاح فيها".

الوعود الكاذبة لم تعد تنفع!

وقال المصدر الذي تحدث باسم الأساتذة الملاك والمتعاقدين لـ "الديار" ان "هذه السنة ستكون مختلفة عن الأعوام الأربعة الماضية، وقلّة من المتعاقدين والملاك سيعلّمون. كما سيفاجأ الجميع بمشكلة من نوع آخر تتمثل بهجرة عدد كبير من الأساتذة، وهناك فئة ستترك التعليم نهائيا، وثلّة ستقلص عدد ساعات التدريس، لان بدل اجر الساعة في المهني الرسمي يبلغ حوالى 1.30 وربما اقل، بينما اجر الساعة في الخاص حوالى 9 دولارات".

وقال: "إذا كان المطلوب من الاساتذة للسنة الخامسة على التوالي تقديم التضحيات، وهدر مال الاستاذ على هذا القطاع وتكرار السيناريو ذاته، فهذا لن يحدث هذا العام مطلقا".

الرابطة اوقعتنا بالمصيدة

واكد المصدر "ان رئيس رابطة التعليم المهني والتقني سايد بو فرنسيس اوهمنا بمبلغ 130 دولار حتى نعود الى التعليم، ولكن لم نتقاض فلساً واحداً، وهو الذي صرح ان العودة لن تكون مجزأة، ورغم الإضرابات والتحذيرات والضغوطات لم نحصل سوى على مبالغ زهيدة وفقا للمثل القائل "من الجمل دينتو"، ووعدنا بحوافز حوالى 100 دولار عن شهر تشرين الأول والثاني والثالث وكانون الأول، فحصل 20% من الأساتذة على مبلغ لا يتجاوز الـ 50 دولارا بحجة عدم توافر الأموال، ومن ثم وُعدنا بـ 125 دولارا كحوافز ولم نتقاضها".

ولفت الى "ان الرابطة باتت وحدها وتعمل لمصالحها الشخصية"، متهما رئيسها سايد بو فرنسيس انه "ارتشى مقابل بيعه الأساتذة الملاك والمتعاقدين". وقال: "العقد الكامل الذي وُعدنا بات مجرد سراب، ولم نقبض من مستحقاتنا عن السنة المنصرمة الا 45% من مجمل العقد. كذلك الامر بالنسبة لبدل النقل الذي تقاضته القطاعات الاخرى عدا المهني، والحجة بحسب ما نُقل عن المديرة العامة للتعليم المهني هنادي بري ان المتعاقدين في المهني والتقني غير ملحوظين بالقانون، ولا اعتمادات مخصصة لنا، وهو ما نفاه وزير التربية".

وتطرق المصدر الى حادثة وفاة أستاذ يدعى غاندي شبلي ويعلّم في معهد صيدا الفني، "بأنه مات قهرا بسبب الضائقة المالية والأوضاع الاقتصادية ، وهو معروف بنشاطه وخرّج اهم الاختصاصيين، والمؤلم في هذه القضية ان زوجة شبلي ذهبت لتسحب تعويض زوجها، فاحتسبت الوزارة بدل اجر الساعة بـ 38500 ل. ل. ، أي على السعر الذي كان معتمدا قبل الازمة". واكد "ان المتعاقدين في المهني الرسمي خارج الزيادات التي اقرت مؤخرا".

المطالب

وشدد المصدر "على ضرورة العمل لتحرير الأساتذة من الروابط المسيّسة والمسيّرة، لأنها تنفذ اجندات سياسيين وأحزاب معينة، كما ان هؤلاء يقبضون رواتبهم ولا يتأثرون بإضراب او توقيف، لذلك نطالب بحفظ حقوقنا اسوة بهم، وببدل نقل لا يقل عن 5$ يوميا، لافتا الى ان الأستاذ يرفض مبدأ الشحاذة من الجهات المانحة، فالتعاقد مع الدولة ووزارة التربية لا مع الدول المانحة، ونؤكد على القبض الشهري، وبدل الساعة الذي لا يجب ان يقل عن 10$، والاهم ان يعطونا مستحقاتنا عن السنة الماضية الى جانب الحوافز".

وختم المصدر "نحمّل المسؤولية للمعنيين في القطاع المهني ووزارة التربية ووزيرها، ومديرية التعليم المهني ومديرته ووزارة المال ومجلس الوزراء والنواب"، اضاف "هذه السنة لن نسمح لغير اللبناني بالتعلّم إذا التلميذ اللبناني لم يستطع التسجيل، حتى لو اضطررنا الى اقفال المدارس بالقوة".