المصدر: النهار
الكاتب: جوانا فرحات
الاثنين 19 تشرين الأول 2026 16:18:26
لا تكمن خطورة الموقف الذي أطلقه النائب إبراهيم الموسوي، تعليقاً على المعلومات المتداولة عن مذكرات توقيف بحق رئيس الارتباط والأمن في حزب الله حسين العبدالله ومساعده علي أيوب في قضية شحنة المتفجرات المرتبطة بضهر البيدر وفي القصر – الهرمل، في حدّة عباراته فحسب، بل في الدلالات السياسية والقانونية التي يطرحها في لحظة يفترض فيها أن تكون المؤسسات القضائية المرجع الوحيد لتحديد المسؤوليات، بعيداً من الحسابات الحزبية والاعتبارات السياسية.
فحين يقول الموسوي"أوقفوا تخرصاتكم وترهاتكم وشائعاتكم الكاذبة"، نافياً وجود استنابات قضائية بحق أي من حزب الله، فالسؤال يتجاوز صحة المعلومات المتداولة إلى طبيعة المقاربة التي يعتمدها الحزب في التعامل مع الملفات التي تطاول مسؤولين أو عناصر فيه.
مصدر شيعي معارض يقول لـ"المركزية": "في قضية بهذه الحساسية، لا بد من التمييز بين نفي وجود مذكرات أو استنابات قضائية، وهو أمر يمكن حسمه بالعودة إلى الجهات القضائية المختصة، وبين اتخاذ موقف سياسي يوحي، صراحة أو ضمناً، بأن مجرد تداول أسماء مرتبطة بالحزب في ملف أمني يستدعي اتهام مطلقي المعلومات بالتضليل والشائعات. فالقضاء هو المرجع في إثبات وجود الإجراءات القضائية ومضمونها، كما أنه المرجع في تحديد المسؤوليات، وليس التصريحات السياسية لأي طرف، سواء أكان في السلطة أم خارجها.
ويتابع: "بعد إقرار النائب حسن فضل الله بأن الشحنة المضبوطة تعود إلى حزب الله، ومطالبته باستعادة المضبوطات والإفراج عن الموقوفين، انتقل الملف من إطار أمني يتعلق بنقل مواد متفجرة إلى مواجهة سياسية حول صلاحيات الدولة في التعامل مع سلاح الحزب ومؤسساته الأمنية. إلا أن المسألة لم تعد تقتصر على معرفة الجهة التي تعود إليها الشحنة، بل باتت تتصل بما إذا كان في مقدور القضاء اللبناني أن يتتبع سلسلة المسؤوليات، من الأشخاص الذين تولوا النقل إلى من أصدروا الأوامر أو أشرفوا على العملية، من دون أن تتحول الهوية الحزبية أو الموقع التنظيمي إلى حصانة سياسية. فهل إن عناصر الحزب فوق القانون والمحاسبة؟
هنا يستحضر المصدر المقارنة مع موقف الأمين العام السابق لحزب الله السيد حسن نصرالله من المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، حين استخدم وصف "القديسين للمتهمين" في سياق دفاعه عن الحزب ورفض اتهامه. والمقارنة لا تتعلق بالتطابق بين القضيتين، بل بما يعتبره نمطاً سياسياً متكرراً، بمعنى الانتقال من مناقشة الأدلة والمسؤوليات إلى التشكيك في الاتهامات، أو التعامل مع أي إجراء يطاول الحزب باعتباره استهدافاً سياسياً له".
ما هو واضح حتى الآن أن المشتبه بهم في هذا الملف هم فوق القانون وهيبة الدولة والقضاء.وهذا يبرر السؤال التالي: هل تكون مواقعهم التنظيمية أو طبيعة عملهم العسكري والأمني سبباً لمنع القضاء من مساءلتهم، أو من اتخاذ الإجراءات التي يراها مناسبة وفق القانون؟
"القاعدة القانونية تقتضي أن لا إدانة من دون أدلة ومحاكمة عادلة، ولا إعفاء من التحقيق لمجرد الانتماء السياسي.فالقضاء هو الوحيد المخول بإبراز صك البراءة ، كما أن المسؤولية لا تثبت بالتصريحات أو الاتهامات الإعلامية".
ويتوقف المصدر عند ثلاثة أبعاد سياسية في كلام الموسوي.البعد الأول هو الدفاع عن صورة الحزب ورفض التعامل معه بوصفه موضع اشتباه. وعندما يستعمل عبارات من قبيل "تخرصاتكم وترهاتكم وشائعاتكم الكاذبة" فهو لا ينفي المعلومة بل ينقل النقاش إلى التشكيك في صدقية من يتداولها".
أما البعد الثاني، فيتصل بحساسية الملف داخل الحزب نفسه. فالكلام عن احتمال استهداف مسؤولين في الارتباط والأمن يرفع القضية من مستوى الأفراد الذين أوقفوا أثناء نقل الشحنة إلى مستوى المسؤولية التنظيمية المحتملة. وفي هذه الحالة، يصبح التحقيق، إذا اتسع وفق الأصول، قادراً على تحديد ما إذا كانت العملية تصرفاً فردياً أم جزءاً من قرار أوسع، وهي مسألة لا يمكن حسمها سياسياً أو إعلامياً.
يبقى البعد الثالث، وهو الأكثر أهمية كونه يرتبط مباشرة بالعلاقة بين الحزب والدولة. فإقرار حزب الله بملكية الشحنة، ومطالبته باستعادتها، يضعان الدولة أمام اختبار يتعلق بسلطتها على المضبوطات وقدرتها على مواصلة التحقيق. والاعتبارات العسكرية التي يقدمها الحزب لتبرير حيازة المتفجرات واستخدامها لا تحسم وحدها المسألة القانونية المتعلقة بنقلها وحيازتها والجهات المسؤولة عنها، ولا تمنحه حق تقرير مسار التحقيق أو نتائجه. في المقابل، لا يكفي أن تعلن الدولة تمسكها بالقانون، بل عليها أن تثبت قدرتها على تطبيقه بصورة شفافة ومتساوية، فإذا لم تصدر استنابات بحق الأشخاص المذكورين، ينبغي تصحيح المعلومات المتداولة استناداً إلى مصادر قضائية موثوقة. أما إذا قرر القضاء اتخاذ إجراءات بحقهم، فالمطلوب تنفيذها وفق القانون، من دون أن يشكل الموقع الحزبي أو الأمني عائقاً أمامها".
ويختم المصدر "موقف حزب الله من الدولة لا يُقاس بحدة نفيه للاتهامات، وهيبة الدولة لا تحدد بقدرتها على إصدار مذكرات أو قرارات فحسب، بل بقدرتها على تنفيذ القانون من دون استثناءات أو تسويات تفريغه من مضمونه".