المصدر: المدن
الكاتب: منير الربيع
الثلاثاء 7 تموز 2026 01:11:30
لا تسمح تطورات الوضع في المنطقة، والخطوات المتسارعة بين دول كثيرة، بأن يتم تطبيق اتفاق الإطار الحالي بين لبنان وإسرائيل. هذا الاتفاق الذي لا يزال متعثراً، بانتظار تفاصيل كثيرة، أولها الاتفاق على "صيغة المناطق التجريبية". ثانيها، تشكيل لجنة "ميكانيزم" جديدة للعمل على مراقبة آلية الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني. ثالثها، الانقسام الداخلي اللبناني القائم حوله وعدم موافقة حزب الله عليه. رابعها، بروز اعتراضات عربية وإقليمية ودولية كثيرة على هذا الاتفاق. أما خامسها، فهو النظرة الأشمل إلى وضع المنطقة وتوازناتها، في ظل قناعات تتشكل على المستوى الدولي، بأن إسرائيل وانطلاقاً من مطامعها في تغيير وجه الشرق الأوسط تريد بناء تحالفات جديدة لمواجهة الدول الأخرى.
لبنان والتطورات الإقليمية
عملياً، كل تفاصيل الملف اللبناني ستبقى معلقة على ما تنتجه التطورات الإقليمية والدولية، من قمة الناتو في أنقرة، إلى لقاءات الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان، والسوري أحمد الشرع. بعدها تتجه الأنظار إلى جولة التفاوض الجديدة بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وسط معلومات عن تركيز إيراني في هذه الجولة على البحث في الملف اللبناني وتثبيت وقف النار وجدولة الانسحاب الإسرائيلي. ولا ينفصل ملف لبنان بالتأكيد عن الزيارة المرتقبة التي سيجريها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
المناطق التجريبية قيد التجربة
لا يزال لبنان عالقاً في اتفاق الإطار، من دون وضوح في الرؤية حول تطبيقه أو تعديل أو إسقاطه. فإسرائيل لا تزال تصر على شروطها، وهي دخول الجيش في مواجهة حزب الله أو الدخول إلى مناطق لا تحتلها هي ولا تنسحب منها، كشرط مسبق للانسحاب لاحقاً. أما الجيش اللبناني فيتمسك بالمطالبة بتحديد مناطق تجريبية ينسحب منها الإسرائيليون كي يدخل إليها ويسيطر عليها. هنا ينتظر لبنان ما سيحمله الجنرال جوزيف كليرفيلد الذي سيكون رئيساً للجنة "الميكانيزم" الجديدة لمتابعة تطبيق الاتفاق خصوصاً المناطق التجريبية. علماً أن ما يجري البحث به حالياً هو توسيع المناطق التجريبية لتشمل مربعاً يمتد من زوطر الغربية إلى زوطر الشرقية، إضافة إلى فرون والغندورية. ففي أجزاء من بعض البلدات ينتشر الإسرائيليون، ولا ينتشرون في بلدات أخرى، وبذلك يكون النموذج هو تحرك الجيش في بلدات غير خاضعة للاحتلال وفي الوقت نفسه التحرك في بلدات ينسحب منها الإسرائيليون.
علي الطاهر
بانتظار نضج هذه الفكرة وإطلاق مسارها التطبيقي، لا تزال إسرائيل تضغط على الجيش للدخول إلى المنشآت العسكرية في تلة علي الطاهر، وتحاول فرض شرط نجاح دخول الجيش إلى علي الطاهر، مقابل انسحابها من مناطق أخرى، لكن القناعة في لبنان أن دخول الجيش إلى علي الطاهر هدفه خلق الصدام بينه وبين حزب الله. لا يمكن إغفال احتمال سعي تل أبيب لإقناع ترامب بالسماح لها بشن العملية العسكرية للسيطرة على المنشآت العسكرية هناك، وهذا يمكنه أن يعيد خلط الأوراق كلها في الجنوب، إلا أن الموقف الأميركي لا يزال معارضاً كي لا يؤثر ذلك سلباً على مسار التفاوض مع إيران.
من مسار تركيا، إلى مسار إسلام أباد، تبرز اعتراضات كثيرة على المسار اللبناني، الذي يقول نتنياهو إنه يريد أن يدفعه باتجاه السلام، وهو ما يريد أن يبحثه مع ترامب. فرئيس الوزراء الإسرائيلي يرفع من لهجهته التهديدية تجاه تركيا ويعتبرها الخطر المحدق، أما هي بدورها فتنظر بجدية إلى الخطر الإسرائيلي والمشروع الذي يسعى إليه نتنياهو، ويحرض بموجبه ترامب على عدم بيع تركيا طائرات f35، ويعلن أن إسرائيل وقفت إلى جانب أميركا في الحرب على إيران بخلاف الموقف التركي الذي كان معارضاً لهذه الحرب ولم يوقف التنسيق مع طهران.
صراع من نوع آخر
هنا قد تدخل المنطقة في صراع من نوع آخر، وله أشكال متعددة. إما أن يصبح صراعاً مباشراً بالمعنى الأمني والسياسي الداخلي، إذ تسعى إسرائيل إلى إحداث مشكلات داخل تركيا انطلاقاً من كلام نتنياهو عن العلاقة معها والمشكلة مع أردوغان، في مقابل سعي تركي عبر جهات عديدة للتأثير في مجريات الانتخابات الإسرائيلية وإسقاط نتنياهو فيها، مثل هذه الصراعات قد تأخذ طابع إشكالات أمنية أو حتى عسكرية على مستوى المنطقة، هنا لن تكون سوريا ولبنان بعيدين عن تداعيات أي حرب من هذا النوع.
الخلفية التي ينطلق منها الأتراك في مقاربة تطورات وضع المنطقة، تعود إلى قراءتهم للمسار الإيراني، وتحديداً مع الاجتياح الأميركي لأفغانستان في العام 2001 والعراق في العام 2003، إذ يعتبر الأتراك، أن إيران عملت وفق تقاطع المصالح مع الأميركيين، في العراق ضد صدام حسين، وفي أفغانستان ضد طالبان، أما أنقرة فهي لا تريد أن تلعب اللعبة نفسها مع الأميركيين ضد إيران، بل هي على قناعة بأنه في حال نجحت إسرائيل بتحقيق أهدافها ضد إيران وإبقاء الأميركيين إلى جانبها في الحرب، ستنتقل بعدها لمهاجمة تركيا، وقد صرح نتنياهو من قبل بشأن مواجهة "المحور الراديكالي السني"، لا سيما في ظل التقارب التركي الخليجي المصري الباكستاني.
تركيا تحاول بناء مسار جديد
في المشهد العام الذي يجري رسمه في المنطقة، فإن إسرائيل تريد مواصلة الحرب على إيران وإنهاء مشروعها وتقويض نفوذها. وتستعد للدخول في مواجهة مع تركيا أو تطويقها من خلال تحالفات عديدة تبنيها. أما إيران التي تعتبر أنّها حتى الآن خرجت رابحة من هذه الحرب وقادرة على الصمود فهي تريد مفاوضة الأميركيين على ملف لبنان كما ملف مضيق هرمز وغيرهما. هنا تحاول إيران حماية حلفائها في المنطقة، وأعادت التلويح بورقة البحر الأحمر، ومن خلال تفعيل الرحلات الجوية المباشرة إلى صنعاء. أما تركيا ومن خلال تحالفها مع الأميركيين وعلاقاتها الجيدة مع دول عربية وإقليمية عديدة، فهي تحاول بناء مسار جديد يقوم على احتواء إيران والتصدي لمشروع إسرائيل.
تعتمد تركيا على العلاقة مع واشنطن، وعلى إعادة تحسين العلاقات مع دول أوروبية عديدة انطلاقاً من قمة الناتو، خصوصاً مع فرنسا والسعي للدخول في اتفاقات جديدة، وسط قناعة لدى الجانبين بأنه لا يمكن الاستمرار بالصراع المفتوح، لأن لديهما مصالح كثيرة في البحر المتوسط. وتركيا لديها نفوذها في العراق وسوريا، وتسعى لتعزيز هذا النفوذ انطلاقاً من موقع سوريا المهم لدول كثيرة بين الشرق والغرب، ولتكون لاعبة مؤثرة جداً في ملف لبنان. هنا تسعى أنقرة مع ترامب لتلعب دوراً يتعلق بإدارة التوازنات في المنطقة.
ضبط الحدود اللبنانية السورية
التقاطع الذي تسعى إليه تركيا مع أميركا، لا يمكن فصله عن زيارات كل من رئيس الوزراء العراقي، وزير الخارجية السوري، لواشنطن. فالهدف هو البحث بتعزيز العلاقات السورية العراقية واحتواء النفوذ الإيراني من دون الدخول في صدام مع طهران. لبنان أيضاً لا يمكن أن ينفصل عن هذا المسار، خصوصاً أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يحضر لزيارة واشنطن ولقاء ترامب. وكل هذه الزيارات، سيكون لها علاقة بالبحث في وقف تهريب الأموال أو الأسلحة لحلفاء إيران، وهنا ستلعب تركيا كما سوريا دوراً أساسياً في ضبط الحدود اللبنانية السورية، وهو أحد العناوين الأساسية التي يجري بحثها بين كل المسؤولين الدوليين وسوريا، وكان بنداً أساسياً على جدول مباحثات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع الرئيس السوري أحمد الشرع. كل هذه المسارات والزيارات واللقاءات سيكون لها تأثيرها في رسم مشهد المنطقة للمرحلة المقبلة.