صرخة مليون مهجّر تؤرق الرئيس بري.. وحراك لكسر طوق التهجير والبحث عن ممرّ للعودة

كتبت إليونور إسطفان لـ”هنا لبنان”:

قلق متصاعد تثيره قضية تهجير أكثر من مليون مواطن لبناني وتدمير مئات القرى الحدودية والضاحية الجنوبية منذ بدء الحرب، مما أدى إلى جدل واسع وانتقادات حادة تجاه حزب الله الذي اتّخذ قرار الحرب منفرداً وأطلق صواريخه الستة تجاه إسرائيل رداً على إغتيال المرشد الإيراني، من دون مراعاة لقدرة الناس لا سيما بيئته على الصمود أو توفير شبكة أمان حقيقية لهم. فيما يعتبر مسؤولو حزب الله أنّ الحرب فُرضت على لبنان وهي ليست خياراً، وأنّ الصبر على النزوح هو جزء من “التضحية الضرورية” لمنع استسلام لبنان لشروط إسرائيل ولا يهتم الحزب سوى بصمود الجبهة العسكرية.

عن أي تضحية يتحدثون والناس تفترش الطرقات ومراكز الإيواء تئن من الجوع والعطش والبرد، مع غياب الإستعدادات وخطط الإيواء قبل بدء المواجهة. نزوح فوضوي من دون إدارة تزايدت معه الإنتقادات وخلّف حالة من القهر والعتب الشعبي على من أسرفوا بوعودهم الفارغة وجعلوهم عرضة للنبذ من كثير من المناطق اللبنانية وبلدياتها التي تخشى استقبال النازحين تخوفاً من تواجد عناصر لحزب الله بينهم قد تؤدي إلى تحول هذه المناطق إلى أهداف عسكرية.

ووسط هذه المعاناة يضرب حزب الله أوضاع نازحي الجنوب والضاحية والبقاع بعرض الحائط ويلقي بعبئهم على عاتق الدولة المنهارة اقتصادياً والمأزومة أصلاً إضافة إلى خسارة العام الدراسي بسبب تواجد النازحين في المدارس.

هذه القضية بحسب مصادر مقربة من عين التينة لموقع “هنا لبنان” أكثر ما يشغل بال رئيس مجلس النواب نبيه بري ويتابعها لحظة بلحظة عبر دعواته المتكررة للعودة “حتى فوق الركام” لكسر هذا الواقع، وبالنسبة له فإنّ قضية التهجير ليست مجرد أزمة إنسانية، بل هي تحدٍّ وجودي وسياسي يمس صلب التوازنات اللبنانية واستقرار الطائفة التي يمثلها، محاولاً قطع الطريق على أي فتنة داخلية قد تنتج عن ضغط النزوح في مراكز الإيواء. ويرى أنّ بقاء الناس بعيداً عن أرضهم لفترة طويلة قد يؤدي إلى “تغيير ديموغرافي” مقنّع أو “توطين داخلي” يرفضه بشدة. وقد ضغط باتجاه فتح أبواب المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أمام النازحين بعد ما أعلنه الشيخ علي الخطيب الذي رمى بمسؤولية إيواء النازحين على الدولة.

أما سياسياً فقد وضع الرئيس بري ملف التهجير على رأس أولوياته ويضغط بهذا الإتجاه، كما يعمل بشكل وثيق مع رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام لضمان أن تكون “الدولة” هي المظلة القانونية والإغاثية، أما دبلوماسياً فاعتبر في مباحثاته مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، أنّ إخلاء منطقة جنوب الليطاني هو “كارثة وطنية” لا يمكن القبول بها كأمر واقع، محذراً من أنّ استمرار أزمة النزوح سيؤدي إلى إنهيار ما تبقى من هيكل الدولة اللبنانية، وهو يضغط بهذه القضية على الدول الكبرى لثني إسرائيل عن استمرار الحرب. وقد أصر في تواصله مع الجانب الفرنسي والأميركي على أنّ أي حل سياسي يجب أن يبدأ بجدول زمني واضح لعودة النازحين، معتبراً أنّ الأرض بلا شعب هي مشروع فرض واقع داعياً لوجود ضمانات دولية تمنع إسرائيل من استهداف العائدين، مما يجعل العودة آمنة ومستدامة وليست مجرد هدنة مؤقتة، مشدداً أمام السفيرين على أنّ الحل لا يكمن في وقف إطلاق النار بل في العودة إلى لجنة الميكانيزم أي الآلية العملية لتنفيذ اتفاق تشرين 2024 والقرار 1701 مع عدم رفضه فكرة التفاوض مع إسرائيل.

ورأت مصادر متابعة لملف النزوح لموقع “هنا لبنان” أنّ الخطر يكمن في مسألة وجود مليون نازح ومهجر خرجوا من منازلهم وقد لا يعودون اليها في حال عملت إسرائيل على تثبيت الحزام الأمني أو فرض منطقة عازلة خالية من السكان ونزع سلاح حزب الله، وهو ما حصل في اجتياح العام 1982 عندما حاصرت إسرائيل بيروت ولم تنسحب إلا بإنهاء الوجود الفلسطيني في لبنان. وتعتبر المصادر أنّ هذا التهجير قد يؤدي إلى صدام بين حزب الله وبيئته وسيتم طرح أسئلة كثيرة من قبلهم: هل ستحرّرون الأرض قريباً وهل سنعود إلى منازلنا وهل سيتم التعويض وإعادة الإعمار؟ مما سيخلق جواً من التوتر والضغط قد لا يحمله الحزب بعد حربه المدمرة.

وفي حال استمرار حرب الإستنزاف والتي قد تطول ولو انتهت الحرب الإيرانية الأميركية، فإنّ الأمور قد تأخذ سنوات من التهجير والمعاناة في ظل عدم إيجاد حلول سياسية ودبلوماسية أو نجاح التفاوض.

وترى المصادر أنه جرى كسر جدار الصمت لدى الكثير من اللبنانيين لا سيما من بيئة حزب الله والشيعة عموماً، فبينما يرى مؤيدو الحزب أنّ النزوح ضريبة للكرامة، يرى المعارضون وعدد متزايد من المتضررين أنّ هناك استهتاراً متعمداً بمصير مئات آلاف العائلات التي فقدت منازلها وأعمالها في سبيل صراع إقليمي لا ناقة لهم فيه ولا جمل، مما سيؤدي إلى أزمة وجودية وفوضى ديمغرافية في حال لم يتم إيجاد حلول سريعة لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان.

فهل سينجح التفاوض في حال حصل بإعادة النازحين إلى قراهم ومنازلهم، أم سيبقى بند النزوح مقابل المنطقة العازلة عالقاً ويشكل عبئاً على كاهل الدولة ؟