"صمت اللبنانيّون طويلاً على العربدة والفجاجة"...رسالة إلى نعيم قاسم

ينتظر “الحزب” أيّ مكسب في الإقليم ليستدير فوراً نحو خصومه في الداخل. يريد إخضاع الرئيس، إسقاط الحكومة، وإعادة ترهيب اللبنانيّين، لاستعادة زمام البلاد التي سُحبت عنوة من فمه. لكنّ لنا وللكثرة الكاثرة من اللبنانيّين رأياً آخر: هذا الوهم لن يكون. هذا الاستكبار لن يمرّ. ولو أغرقتمونا جميعاً في بحر من الدم.

لا يا شيخ نعيم. لا أنت ولا حزبك ولا جيشك العوام قادرون على إسقاط الحكومة. لأنّكم ببساطة لا تمثّلون الناس. لا تمثّلون مزاجهم، ولا أحلامهم، ولا مستقبل أولادهم. أنتم تمثّلون مشروعاً جهنّميّاً، غريباً عن لبنان وعن البيئة التي تدّعون الدفاع عنها. أنتم يا شيخ نعيم فئة ارتضت أن تكون أداة ضاربة فوق رقاب اللبنانيّين، وخنجراً مغروساً في خاصرة العرب، ومخلباً إيرانيّاً يُستخدم متى شاء المرشد، ولو احترقت البلاد بمن فيها.

لم تعُد المسألة خلافاً سياسيّاً بين فريقين، ولا حتّى نزاعاً تقليديّاً على السلطة والنفوذ. ما نعيشه اليوم هو صدام بين مشروع عدميّ يريد إبقاء لبنان رهينة الخراب والحروب والدويلات، وبين غالبيّة لبنانيّة أنهكها التعب والانهيار والعزلة، وتريد أن تعيش في دولة طبيعيّة تشبه أيّ دولة محترمة في العالم.

هل يُغسل العار بالصّابون؟

يهدّدنا الشيخ نعيم قاسم بإسقاط الحكومة في الشارع، لا بوصفه موقفاً سياسيّاً قابلاً للنقاش، بل بوصفه تعبيراً صارخاً عن ذهنيّة الاستقواء ذاتها التي أوصلت البلاد إلى قعر الجحيم. وكأنّ الدولة ورجالاتها ومؤسّساتها تفصيل صغير يمكن دهسه متى قرّر “الحزب” أنّ مصالحه أو مصالح إيران تقضي ذلك.

لقد سقط القناع منذ زمن طويل. باتت الناس كلّ الناس تدرك أنّكم خربتم البلاد وحوّلتموها إلى مزرعة متكاملة الأوصاف، بعدما كان لبنان جوهرة الشرق ودرّة تاجه. لم يعُد أحد يصدّق شعارات المقاومة التي تحوّلت إلى ستار لاقتصاد موازٍ، سلاح منفلت، دويلة فوق الدولة، ومشروع دائم للحروب والدمار والانتحار الجماعيّ.

أنتم طعنتم أهلكم وناسكم وبلادكم يوم قرّرتم إدخال لبنان في هذه الحرب بستّة صواريخ عبثيّة، ثمّ خرجتم ببيان العار لتقولوا إنّ ما جرى هو انتقام وثأر للمرشد الذي قُتل في طهران. أيّ إهانة أكبر للبنان من أن يُزجّ هو وشعبه في حرب مدمّرة خدمة لحسابات لا علاقة له بها؟ أيّ استخفاف بأرواح الناس ومصالحهم وبيوتهم وأرزاقهم؟ لقد انكشفتم أمام الجميع. لبنان بالنسبة إليكم ساحة، وأهله وناسه حطب ووقود.

لم تقيموا أيّ وزن للعذابات المركّبة التي يعيشها الناس، خصوصاً أبناء بيئتكم الذين دفعوا أثمان مغامراتكم على مدى عقود. عشرون عاماً من الانهيار والعزلة والفقر والهجرة، وأنتم تتصرّفون وكأنّ شيئاً لا يعنيكم. لا كهرباء، لا اقتصاد، لا استثمار، لا فرص عمل، لا مستقبل. فقط خطاب تعبويّ، شعارات خشبيّة، ووعود بالنصر الإلهيّ، فيما الناس تبحث عن لقمة عيشها، أو عن أيّ فرصة للهروب من هذا الخراب.

عشرون عاماً واللبنانيّون ينتظرون أن تركنوا إلى العقل والمنطق والحكمة. انتظروا أن تدركوا أنّ الدولة أهمّ من الحزب، وأنّ الوطن أهمّ من المشروع العقائديّ، وأنّ مصلحة الناس أهمّ من أوهام الإمبراطوريّات المذهبيّة. لكنّكم كنتم في كلّ مرّة تذهبون أبعد في الجنون. أبعد في العناد. أبعد في الانتحار الجماعيّ. وكأنّكم لا تحسنون العيش إلّا عند حافة الهاوية.

خرّبتم علاقات لبنان مع العرب على نحو غير مسبوق. حوّلتم بلدنا من مساحة لقاء وانفتاح إلى منصّة عداء وشتائم وتهديدات. لم يعُد أحد في العالم ينظر إلى لبنان باعتباره نموذجاً للثقافة والسياحة والتعليم، بل مصدر للفوضى والتهريب. النتيجة أنّ اللبنانيّين بمختلف مشاربهم، والشيعة على الخصوص، دفعوا ويدفعون أبهظ الأثمان.

لم تكتفوا بلبنان، بل استعديتم الشعب السوريّ، وأوغلتم في دمه ومدنه وقراه دفاعاً عن نظام مجرم. ذهبتم إلى سوريا تحت شعارات حماية المقامات، ثمّ تبيّن أنّ القضيّة كانت حماية مشروعكم المذهبيّ المقيت، ولو على حساب مئات آلاف الضحايا والمعذّبين والمعتقلين والمشرّدين. شاركتم في ذبح شعب كامل، ووقفتم إلى جانب سفّاح دمّر بلاده، فقط لأنّ ذلك يخدم المحور الذي تنتمون إليه. وهذه جريمة مستدامة لن يغسلها كلّ صابون العالم.

زعرنة مكتملة الأوصاف

أمّا لبنان الذي وعدتم بحمايته، فقد أدخلتموه في موت سريريّ كامل. لا سياحة، لا اقتصاد، لا دور، ولا رسالة. صار البلد أشبه بقندهار الشرق: سرقة، خطف، تهريب، كبتاغون، تبييض أموال، اقتصاد أسود، ومؤسّسات مخطوفة. حتّى الإعلام الذي يُفترض أن يكون مساحة رأي وحوار، حوّلتموه إلى منصّات حربيّة تستهدف الدول الشقيقة والصديقة وتنشر الكراهية والضغائن وثقافة الموت.

اليوم، وبعد كلّ هذا الخراب، لا أنتم قادرون على الحرب والردع ولا أنتم تريدون التفاوض والسلام. الجنوب تحوّل أثراً بعد عين، والناس تُركوا لمصيرهم بين الدمار والنزوح والخوف، فيما قياداتكم وإعلامكم وكوادركم تتلهّى بخطابات شعبويّة، وبطولات وهميّة، وقصص هلاميّة عن مُسيّرة من هنا أو صاروخ من هناك تمكّن من اختراق الدفاعات الجوّيّة الإسرائيليّة.

هذه لم تعُد سياسة، ولا حرباً، ولا اختلافاً طبيعيّاً بين مكوّنات لبنانيّة. هذه بلطجة مكتملة الأوصاف سياسيّة وعسكريّة وإعلاميّة. إصرار مَرَضيّ على أخذ البلد كلّه إلى الهاوية خدمة لوليكم الذي تدينون له بالسمع والطاعة.

صمت اللبنانيّون طويلاً على العربدة والفجاجة. حاولوا تفهّم الجرح الذي أصاب بيئتكم بعد الحروب والخسائر. قالوا إنّ المصاب يستحقّ المداراة. لكن لا تسيئوا الفهم. لا تظنّوا أنّ الناس عاجزة أو أنّ يدها قصيرة. اللبنانيّون يريدون الدولة لا الفوضى، ويريدون العقل لا الجنون، ويريدون الحياة لا الموت. لكن إذا أصررتم على التهديد والوعيد والبلطجة والعربدة، وإذا أصبح الفتك هو اللغة الوحيدة التي تفهمونها، فيا مرحباً حينها بالانفجار.