المصدر: النهار
الكاتب: مصطفى العويك
الأحد 7 حزيران 2026 08:59:02
من يعرف طرابلس عن قرب، فلا يحتاج إلى تقارير البنك الدولي ولا إلى دراسات "الإسكوا" ليكتشف أن شيئا ما بدأ يتغيّر.
يكفي أن يقف عند المرفأ اليوم ويتذكر حاله قبل سنوات، أو أن يسمع من أهل المدينة أنفسهم كيف تبدّلت النظرة من اليأس إلى الترقّب.
هذه ليست شعارات، بل مؤشرات أولية لمسار مختلف، يعيد طرح سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يمكن طرابلس أن تستعيد دورها الطبيعي رافعة اقتصادية للبنان؟
للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، لا تُقارَب طرابلس من زاوية أمنية أو اجتماعية ضيقة، بل من زاوية اقتصادية إنتاجية. هذا التحول الذي تعتمده حكومة الرئيس نواف سلام، يعكس فهما مختلفا لدور الشمال، لا كعبء على الدولة، بل كفرصة حقيقية للنمو، لا جولات عنف وبؤر إرهابية إنما سعي حثيث إلى نهضة اقتصادية ساعدت في تهيئة أجوائها المتغيرات الجيوسياسية التي طرأت داخل لبنان وفي محيطه الإقليمي.
إنه واقع جعلنا أمام محاولة جدية لوضع طرابلس ضمن ما يمكن تسميته "محور الشمال للنمو" North For Growth، وهو مفهوم لم يعد نظريا، بل بدأ يأخذ شكلا عمليا على الأرض.
قرار سياسي بالاستثمار
هذه الرؤية ليست بعيدة عن تجارب عالمية نعرفها جميعا. مدن مثل برشلونة لم تكن دائما كما نراها اليوم، وروتردام لم تولد كمرفأ عالمي من فراغ، وطنجة لم تصبح بوابة اقتصادية للمغرب إلا بعد قرار سياسي واضح بالاستثمار فيها. القاسم المشترك في كل هذه التجارب هو الاستثمار في البنية التحتية الإستراتيجية: مرافئ، مناطق اقتصادية، ومطارات. وهذا بالضبط ما يُطرح اليوم في طرابلس.
في مرفأ طرابلس الذي لطالما بقي مشروعا مؤجلا لاعتبارات سياسية وإقتصادية داخلية وإقليمية، بدأت الأمور تأخذ منحى مختلفا: تعيينات إدارية، إعادة تفعيل، ومحاولات جدية لزيادة القدرة التشغيلية.
قد لا تكون النتائج قد اكتملت بعد، لكن الاتجاه واضح: المرفأ لم يعد تفصيلا، بل بات جزءا من رؤية أشمل، خصوصا في ظل التحولات التي يشهدها شرق المتوسط.
الأمر نفسه ينسحب على المنطقة الاقتصادية الخاصة التي بقيت لسنوات عنوانا دون مضمون. اليوم، مع إعادة تفعيل إدارتها وتعيين مجلس إدارة جديد يمتلك روية وخبرة ويتمتع بدينامية عالية، هناك محاولة حقيقية لوضعها على السكة الصحيحة.
يشار إلى ان كل الدراسات الدولية، ومنها تقرير "الإسكوا" بعنوان: Rethinking Economic Development In Lebanon، تؤكد أن هذه المناطق يمكن أن تكون محرّكا فعليا للنمو إذا ما رُبطت بمحيطها. وهنا تحديدا تكمن أهمية الربط بين المنطقة الاقتصادية والمرفأ، وهو ما بدأ يُطرح عمليا.
أما مطار الرئيس رينه معوض في القليعات، فقصته تختصر الكثير من تاريخ الإهمال الذي عاشه الشمال.
لكنه اليوم يعود إلى الواجهة، ليس كمطلب مناطقي فقط، بل كجزء من رؤية وطنية. وما إطلاق الرحلات التجريبية، مهما كانت محدودة، إلا دلالة واضحة على أن هناك قراراً بالانتقال من الكلام إلى الفعل.
ولا يمكن الحديث عن هذه المقاربة من دون التوقف عند معرض رشيد كرامي الدولي، هذا المعلم الذي بقي لسنوات شاهدا على الإهمال. فلقد عيّن له مجلس إدارة متجانس ترأسه شخصية ذات بعد أكاديمي ومهني عالي المستوى، بدأت معها مفاعيل تعديل قانونه الخاص تظهر الى العلن، والأساس المكمل لحركته الآنية اللافتة هو ربطه بالحركة الاقتصادية، وتفعيل بعده الاقتصادي أكثر فأكثر.
تعاطٍ حكومي مختلف
بحسب ما يُنقل عن عدد من أعضاء مجالس الإدارة الجدد في مرفأ طرابلس والمنطقة الاقتصادية الخاصة وإدارة المعرض، وكذلك من داخل المجلس البلدي، فإن التعاطي الحكومي اليوم مختلف عمّا كان عليه في السابق: متابعة مباشرة، سرعة في بت الملفات، وحرص واضح على عدم ترك المشاريع عالقة. هذه الشهادات، وإن قيلت بعيدا من الإعلام، تعكس حقيقة أساسية: هناك قرار سياسي بفتح أبواب طرابلس لا بإبقائها في الانتظار.
كل ذلك لم يحصل في فراغ. هناك حضور حكومي مباشر في المدينة، وزيارات، واجتماعات، ومحاولات لإعطاء إشارات واضحة أن الشمال لم يعد خارج الأولويات. قد يختلف البعض في التقييم، وهذا طبيعي، ولكن لا يمكن الإنكار أن هناك تبدّلا في طريقة التعاطي.
سياسيا، نحن أمام محاولة لإعادة بناء العلاقة مع طرابلس على أساس الشراكة، لا الرعاية. على أساس الاستثمار، لا المعالجة الموقتة. وهذا التحول، إذا استمر، قد يغيّر موقع المدينة في المعادلة الوطنية، ويعيد إليها جزءا من دورها الذي فُقد على مدى عقود.
لكن الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: هذه المسارات لا تنجح بين ليلة وضحاها. المرافئ تحتاج إلى وقت، المناطق الاقتصادية تتطلب استقرارا، والمطارات تحتاج إلى رؤية واستمرارية. لذلك، فإن النقاش اليوم يجب ألا يكون فقط حول ما تحقق، بل حول كيفية حماية هذا المسار واستمراره.
طرابلس ليست أقل من غيرها من المدن التي نجحت في التحول. ما ينقصها لم يكن يوما الإمكانات، بل القرار. وإذا كان هذا القرار قد بدأ يتشكّل اليوم، فإن المسؤولية تقع على الجميع في تثبيته والبناء عليه.
من هنا، لا تبدو مسألة استمرار هذه الحكومة تفصيلا سياسيا، بل هي جزء من معركة أكبر: إعادة تعريف دور طرابلس والشمال في لبنان. إما أن نكمل هذا المسار ونحوّل الشمال إلى قطب اقتصادي حقيقي، وإما أن نعود إلى الحلقة نفسها من الإهمال والفرص الضائعة.
والخيار هذه المرة لم يعد يحتمل التأجيل.