المصدر: النهار
الكاتب: سلوى بعلبكي
الأربعاء 30 أيلول 2026 18:59:30
في وقت لم يكن قانون إعادة هيكلة المصارف قد خرج أصلاً من دائرة المراجعة والنقاش منذ إقراره للمرة الأولى في آب 2025، جاء الطعن الذي تقدم به رئيس الجمهورية جوزف عون في المادة الثالثة منه، ليعيد هيكلة القطاع المصرفي إلى الواجهة الدستورية والقانونية. فخلال نحو عام، انتقل القانون من الإقرار إلى الطعن والمراجعة الدستورية، ثم إلى التعديل التشريعي، ليعود اليوم مجدداً إلى المجلس الدستوري من بوابة الطعن الرئاسي في إحدى مواده الأساسية.
وكان قانون "إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها" قد أقر في 14 آب 2025 ونشر في الجريدة الرسمية في 21 آب من العام نفسه، بعد مسار طويل من النقاش داخل اللجان النيابية، ولا سيما لجنة المال والموازنة ولجنتها الفرعية، وبمشاركة ممثلين عن الحكومة ومصرف لبنان.
ولم ينه إقرار القانون الجدل حوله، إذ تقدم عدد من النواب بطعن أمام المجلس الدستوري، الذي أصدر قراره في 3 تشرين الأول 2025، لتدخل بذلك أحكام القانون في مسار مراجعة دستورية أضافت بعداً جديداً إلى النقاش حول الإطار القانوني لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.
وفي عام 2026، عاد القانون إلى مجلس النواب من بوابة التعديل. فبدأت لجنة المال والموازنة مناقشة تعديل عدد من مواده، توازياً مع البحث في مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، وتواصلت الاجتماعات خلال حزيران وتموز، قبل أن تقر اللجنة صيغة معدلة ويحيلها المسار التشريعي إلى الهيئة العامة. وفي 12 آب 2026، أقر مجلس النواب التعديلات على القانون.
ويأتي ذلك بعد خلافات ونقاشات سابقة حول عدد من المصطلحات والمسائل التقنية المرتبطة بالقانون، ولا سيما بين الحكومة وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد، وهي مسائل ساهمت في تعقيد مسار إقرار النص وتعديل بعض أحكامه قبل عرضه بصيغته النهائية على مجلس النواب.
فالقانون الذي كان يفترض أن يشكل أحد الأطر الأساسية لمعالجة أوضاع المصارف وإعادة تنظيمها، وجد نفسه خلال نحو عام أمام مراجعة دستورية ثم تعديل تشريعي واسع، قبل أن يطاله طعن رئاسي جديد. وتكشف هذه الرحلة عن صعوبة التوفيق بين متطلبات إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وحماية حقوق المودعين، وتحديد مسؤوليات الدولة والجهات الرقابية، وبين المحافظة على الإطار القانوني الناظم لاستقلالية مصرف لبنان وصلاحياته.
وفتح الطعن نقاشاً حول الحدود التي ينبغي أن ترسمها التشريعات الجديدة بين الدور التشريعي للدولة والصلاحيات الممنوحة لمصرف لبنان في إدارة القطاع المصرفي وإعادة هيكلته.
تكتسب المادة الثالثة أهمية خاصة لأنها تحدد الهدف العام للقانون، والمتمثل في وضع إطار قانوني يتماشى مع أفضل المعايير الدولية المعتمدة في إعادة هيكلة المصارف وإصلاحها. ومن هنا، فإن الطعن فيها لا يتعلق بمادة تقنية معزولة فحسب، بل قد يرتبط بطبيعة الإطار القانوني الذي يفترض أن يحكم عملية الإصلاح برمّتها.
كما يعيد الطعن النقاش حيال استقلالية مصرف لبنان والصلاحيات المنوطة به بموجب قانون النقد والتسليف، ولا سيما المادة 70 منه، وما إذا كانت التعديلات التشريعية الأخيرة ترسم بوضوح حدود العلاقة بين صلاحيات المصرف المركزي والدور الذي تضطلع به السلطة التشريعية والتنفيذية في عملية إعادة هيكلة المصارف.
وفي هذا السياق، تشرح المحامية الدكتورة جوديت التيني أن "دور المجلس الدستوري، بعد إحالة الطعن إليه، لا يقتصر بالضرورة على النظر في المواد التي طعن فيها رئيس الجمهورية، إذ يمكنه النظر في القانون التعديلي برمّته، وفقاً لصلاحياته الدستورية، وتالياً قد ينتهي إلى إبطال القانون التعديلي كاملاً إذا توافرت الأسباب الدستورية لذلك.
وتوضح التيني أن "المقصود هنا هو القانون التعديلي الذي أقره مجلس النواب أخيراً، وليس القانون الأساسي الذي كان نافذاً قبل التعديل"، مشيرة إلى "أن إبطال القانون التعديلي، في حال حصوله، لا يعني حكماً إبطال القانون الأساسي الذي سبق إقراره".
إلا أن المعطيات المتوافرة في شأن الطعن الرئاسي لا تزال محدودة، إذ إن الطعن قدم بصورة سرية ولم ينشر حتى الآن، وتالياً لا يمكن الجزم بالمواد الأخرى التي قد يكون تناولها أو بالحجج الدستورية التي استند إليها، كما لا يمكن في هذه المرحلة تحديد المفاعيل النهائية التي قد تترتب عليه.
ويبقى الحكم على طبيعة الطعن وآثاره مرتبطاً بما سيصدر عن المجلس الدستوري، وبمضمون الطعن نفسه عند نشره، فيما يتركز النقاش القانوني في انتظار ذلك على مدى توافق التعديلات الأخيرة مع الدستور، وعلى التوازن بين دور الدولة في إعادة هيكلة القطاع المصرفي، واستقلالية مصرف لبنان، والصلاحيات الممنوحة له بموجب قانون النقد والتسليف.