طلاب فقدوا حقهم في التعلّم ومصير الامتحانات الرسمية مؤجّل

جيل كامل في لبنان كبر على وقع الأزمات. منذ انتفاضة 17 تشرين، إلى جائحة كورونا، ثم حرب 2024، وصولاً إلى العدوان الحاصل اليوم. أزمات متتالية جعلت الطفولة نفسها مؤجلة، والتعليم مهدداً.

"طفولتنا كلها لم نعشها… من حقنا أن نتعلم، لدينا أحلام". بهذه الكلمات يختصر الطفل فضل موسى حال جيل كامل من الأطفال في لبنان.

نزح فضل مع عائلته من منطقة حارة حريك بعد التصعيد الأخير، ليجد نفسه مثل آلاف التلاميذ بين النزوح وعدم اليقين حول مصير عامه الدراسي.

براءة فضل تختصر معاناة طلاب كثر واكبوا هذه الأزمات المتلاحقة، ولا يزالون يطالبون بحقهم الأساسي في التعليم، في وقت تحاول فيه وزارة التربية إيجاد حلول تتيح استمرار العملية التعليمية رغم الظروف الأمنية الصعبة.

تمييز بين مدارس خاصة ورسمية

في أحدث تصريحاتها، قالت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي إن الحكومة "تبذل أقصى طاقاتها لتأمين الحاجات الأساسية للتلاميذ". لكن هذا الواقع يطرح أسئلة عديدة حول كيفية متابعة التعليم والمناهج، خصوصاً مع اللجوء المتزايد إلى التعليم من بُعد، الذي لا تتوفر له الظروف التقنية، قبل الحديث عن الحالة النفسية والاجتماعية في زمن نزوح ثلث سكان لبنان.

وحول واقع المدارس وإمكانات التعليم، تشير مصادر في وزارة التربية لـِ "المدن"، إلى أنه جرى تصنيف المدارس الخاصة والرسمية وفق أوضاعها الحالية بين آمنة وغير آمنة. 

بالنسبة للمدارس الخاصة، تُرك لها تحديد آلية التعليم، سواء حضورياً أو عبر الإنترنت، بالتشاور مع الأساتذة والأهالي، تبعاً للوضع الأمني في كل منطقة. كما طلبت الوزارة من هذه المدارس تأمين حصة تعليمية واحدة على الأقل عبر الإنترنت للتلاميذ الذين لا يستطيعون الوصول إلى مدارسهم بسبب النزوح أو الأوضاع الأمنية.

أما في ما يتعلق بالمدارس الرسمية، فيتبيّن من التقرير الأخير الصادر عن الوزارة حتى تاريخ 22 آذار أن هناك 433 مؤسسة تربوية تحولت إلى مراكز إيواء مقسمة على 360 مدرسة وثانوية، 56 معهداً ومهنية، و17 كلية للجامعة اللبنانية. وجرى تصنيف المدارس إلى ثلاث فئات رئيسية:

مدارس نزح طلابها مع عائلاتهم ولا يُعرف حالياً مكان وجودهم.

مدارس لا تزال مفتوحة ولم تستقبل طلاباً نازحين.

مدارس قادرة على فتح أبوابها ومتابعة التعليم رغم وجود نازحين فيها.

وفي بعض الحالات، لا يزال الطلاب يقيمون في محيط مدارسهم ويستطيعون متابعة التعليم، وقد بدأ جزء منهم بالفعل التعلّم من بعد منذ الأسبوع الماضي.

الإنترنت بديل عن الصفوف

في محاولة لتسهيل التعليم الإلكتروني، عملت وزارة التربية بالتعاون مع وزارة الاتصالات على تأمين (20G غيغابايت) من الإنترنت لكل طالب، بهدف متابعة الدروس عبر منصات مثل تطبيق "مدرستي" أو "مايكروسوفت تيمز". كما جرى تشجيع المعلمين على تسجيل الدروس وإتاحتها للتلاميذ، كي يتمكن الطلاب الذين لا يستطيعون حضور الحصص المباشرة من متابعتها لاحقاً. لكن هذه الخطة النظرية يصعب تطبيقها على أرض الواقع في ظلّ النزوح الحالي.

قرار الامتحانات الرسمية مؤجّل
السؤال الذي يقلق آلاف الطلاب، ومنهم التلميذ موسى، يتعلق بمصير الامتحانات الرسمية، خصوصاً أنه طالب في الصف التاسع (البريفيه). ووفق المعلومات، حتى الآن، لم يُحسم القرار النهائي بشأن إجراء الامتحانات الرسمية. وتشير مصادر وزارة التربية إلى أن القلق الأكبر لا يتعلق بطلاب الصف التاسع، إذ قد يتم اعتماد الامتحان الوطني أو الامتحانات المدرسية، لكن الهاجس الأكبر هو لطلاب الشهادة الثانوية. فهذا الامتحان أساسي للانتقال من مرحلة التعليم الثانوي إلى الجامعة. ومصير إجرائه سيحدد بحسب واقع استمرار الحرب ومدى توسعها. 

وتشير المصادر إلى أن المدارس أنجزت جزءاً مهماً من المنهج الدراسي، يقارب 30 يوماً تعليمياً، وهو ما تعتبره الوزارة مؤشراً إيجابياً يمكن البناء عليه لتنظيم الامتحان الرسمي، ذلكَ وفق دراسة أعدها المركز التربوي للبحوث والإنماء.

العدالة التربوية في زمن الحرب

لكن التحدي لا يقتصر على التعليم فحسب. فالأوضاع النفسية والأمنية للأطفال تلعب دوراً أساسياً في قدرتهم على التعلم. فالطفل النازح يعيش ضغطاً نفسياً مضاعفاً: التوقف عن المدرسة، غياب مكان مناسب للدراسة، وخوف دائم من القصف. ويقول الطفل فضل: "من حقي أن أحمل كتابي وأدرس في غرفة"، غرفة هادئة بلا مسيّرات في السماء، وبلا صواريخ وغارات ليلاً. هنا تتجلّى أهمية العدالة التربوية، بين طفل يتلقى التعليم في مدارس خاصة في مناطق "آمنة"، وآخر بلا علم أو بعلم مجتزأ. لكن وزارة التربية تعرّف العدالة بأنها " تقديم أكبر قدر ممكن من التعليم لأكبر عدد من الطلاب". والذريعة التي تساق أن ليس من الممكن تعليق تعليم نحو 700 ألف طالب لمجرد انتظار كيف سيكون وضع 400 ألف طالب نازح من أصل مليون و100 ألف طالب في لبنان. وحجة الوزارة أنها تواصل جهودها لمتابعة التعليم في كل مكان ممكن، حتى يتضح مصير الطلاب الذين نزحوا عن مناطقهم، وفق ما أوضحت المصادر.

طلاب الجنوب.. تعليم معلّق

في القرى الحدودية في جنوب لبنان الوضع التعليمي أكثر تعقيداً. عدد كبير من التلاميذ (نحو عشرين ألف طالب) نزحوا مع عائلاتهم إلى مناطق أخرى، بعد نحو شهرين على اندلاع حرب الإسناد في العام 2023. أما أقرانهم في القرى المجاورة للقرى الحدودية فنالوا نصيبهم جراء التصعيد العسكري. ومصير جميع هؤلاء الطلاب كان مشتركاً في مواجهة صعوبات التعلّم من بعد، سواء بسبب ضعف الإنترنت أو غياب التجهيزات والمستلزمات. ثم تهجروا العام المنصرم والعام الحالي أيضاً كسائر طلاب الجنوب والضاحية ومناطق عدّة في البقاع.

في بلد تتكرر فيه الأزمات، يبقى التعليم واحداً من آخر الخيوط التي يتمسك بها الأطفال لمستقبل مختلف. لكن بالنسبة لفضل وجيله، يبقى السؤال بسيطاً وصعباً في آن واحد: متى يستطيعون أن يعيشوا طفولتهم ويتعلموا؟