المصدر: إرم نيوز
الاثنين 31 آب 2026 12:36:19
تواجه تفاهمات وقف إطلاق النار الهشة في جنوب لبنان أخطر اختبار ميداني وسياسي لها منذ إقرار "اتفاق الإطار" برعاية أمريكية، فبينما كان يُفترض أن تمهد اللقاءات الدبلوماسية في العاصمة الإيطالية روما لانتقال تدريجي نحو الاستقرار وتوسيع رقعة انتشار الجيش اللبناني، تحولت تلة "علي الطاهر" إلى عقدة كبرى تهدد بنسف المسار السياسي بأكمله.
وتشير المؤشرات الميدانية المتلاحقة إلى أن الجبهة تقترب من ذروة التصعيد، وسط مخاوف من انتقال شرارة القتال مجدداً وبكثافة نحو مستوطنات الشمال الإسرائيلي، وتدحرج خطوط النار شمالاً لتشمل مرتفعات جبل الريحان وبلدة سجود.
وتكتسب تلة "علي الطاهر" أهمية عسكرية فائقة في الحسابات الدفاعية والهجومية لكلا الطرفين، حيث يمنح موقعها الجغرافي إشرافاً نارياً كاشفاً، بالعين المجردة وبالمناظير العسكرية، على كامل مدينة النبطية ومنطقة إقليم التفاح، فضلاً عن خطوط الإمداد الحيوية الممتدة نحو البقاع الغربي.
وكانت تقارير إعلامية أفادت في وقت سابق بأن الجيش الإسرائيلي يفرض منذ أسابيع ما يشبه الطوق الناري حول التلة، رافضاً الانسحاب من محيطها، متذرعاً بأن المرتفعات تضم منشآت ومجمعات قيادة وسيطرة ضخمة وممتدة تحت الأرض تابعة لحزب الله.
وبناءً على ذلك، يتمسك الجيش الإسرائيلي بالبقاء الأمني المباشر لتفكيك هذه البنية التحتية، معتبراً أن إخلاء المنطقة دون تمشيطها يشكل تهديداً لأمن بلدات الجليل ومستوطنات الشمال.
وتكشف مصادر لبنانية رسمية عن حجم المأزق الدبلوماسي خلف الكواليس، حيث قاد رئيس الجمهورية، العماد جوزاف عون، بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، في الأيام القليلة الماضية، مساعي مكثفة وضغوطاً على قيادة حزب الله لتفادي الدخول في حرب مع إسرائيل.
إخلاء حزب الله التام لتلة "علي الطاهر"
وبحسب المصادر التي تحدثت لـ"إرم نيوز"، فإن الطرح الرسمي اللبناني يقضي بإخلاء حزب الله التام لتلة "علي الطاهر" ومنشآتها العسكرية، وتسليمها بالكامل لقوات الجيش اللبناني بهدف نزع الذريعة الأمنية من يد إسرائيل، وتقديم خطوة بناء ثقة تتيح للوفد اللبناني، برئاسة السفير سيمون كرم، الذهاب إلى الجولة الثامنة من مفاوضات روما بموقف قوي يطالب بالانسحاب الإسرائيلي الشامل.
وتؤكد المصادر ذاتها أن رد حزب الله جاء سلبياً، إذ أبلغ الحزب الرئيس بري صراحة برفضه أي انسحاب مجاني من "علي الطاهر"، معتبراً التلة خطاً دفاعياً أحمر لا يمكن المساومة عليه.
وتوضح المصادر أن الحزب يرى في تسليم الموقع دون الحصول على مكاسب جغرافية وسياسية مقابلة وثابتة قضمًا لأوراق القوة اللبنانية وقبولاً بشروط الإملاءات الإسرائيلية.
وألقى هذا التصلب الميداني بظلاله على أروقة الدبلوماسية، حيث أكدت التقارير تعليق تحديد موعد نهائي للجولة الثامنة من مفاوضات روما، بعد أن انتهت الجولة السابعة دون أي اتفاق على آلية التحقق الميداني وتوسيع نطاق المناطق التجريبية، مثل منطقة زوطر الغربية.
رد فعل صاروخي غير تقليدي
وتفيد المصادر اللبنانية بأن واشنطن تبذل جهوداً لمنع التدحرج نحو مواجهة كبرى، مضيفة أن الإدارة الأمريكية لم تمنح تل أبيب ضوءاً أخضر لشن عملية عسكرية واسعة لاقتحام منشآت "علي الطاهر"، خشية أن يؤدي ذلك إلى رد فعل صاروخي غير تقليدي أو دخول مسيرات مفخخة من جبهات إقليمية كإيران، مما يطيح بالاستقرار الإقليمي الهش.
ويرى المحلل السياسي جهاد نويّر أن الخطورة الراهنة تكمن في السيناريوهات البديلة التي تلوّح بها إسرائيل في حال استمرار الأفق المسدود في روما.
ويشير في تصريح لـ"إرم نيوز" إلى أن الخطط الافتراضية للجيش الإسرائيلي لن تتوقف عند حدود "علي الطاهر"، بل قد تمتد النيران فوراً نحو جبل الريحان وبلدة سجود في إقليم التفاح، حيث تمثل هذه المرتفعات عسكرياً البوابة الشمالية الحاكمة والمشرفة على المداخل الجنوبية للبقاع الغربي.
ويقول إنه إذا قررت إسرائيل التقدم نحوها أو فرض حزام ناري حولها، فإن ذلك سيعني عملياً محاولة الالتفاف على المراكز الدفاعية التقليدية للحزب وعزل الجنوب عن البقاع، وهو ما سيؤدي لا محالة إلى مواجهة عسكرية.
إنقاذ مسار مفاوضات روما
ويؤكد أن جبهة الجنوب تقف حالياً أمام ثلاثة مسارات، أولها نجاح الضغوط الأمريكية في ربع الساعة الأخير لإيجاد مخرج أمني لتلة "علي الطاهر" يضمن انتشاراً رمزياً للجيش اللبناني بإشراف قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان "اليونيفيل"، بما يسمح بإنقاذ مسار مفاوضات روما والعودة إلى خطط الانسحاب التدريجي.
ويتمثل المسار الثاني في استمرار حرب الاستنزاف الموضعية عبر غارات إسرائيلية مركزة وقصف مدفعي يومي على النبطية وقرى الحافة، يقابله هجمات موضعية بالمسيرات الانتحارية وحرب عصابات من حزب الله، دون الانزلاق إلى صدام شامل، وهو ما يبقي المفاوضات معلقة ويستنزف قدرات الجنوب الاقتصادية والبشرية.
أما الاحتمال الثالث والأكثر خطورة، فيتمثل في إقدام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على مغامرة عسكرية لإسقاط مرتفعات "علي الطاهر" واقتحامها بقوة السلاح، مستغلاً حمى التنافس الانتخابي الداخلي لديه لتحقيق إنجاز ميداني. وفي هذه الحالة، سينفذ حزب الله وعيده بالرد الكثيف عبر تفعيل الصواريخ الدقيقة والمسيرات نحو مستوطنات الشمال وعمق الجليل لإعادة فرض معادلات الردع، مما سينقل المعركة فوراً إلى جبل الريحان وسجود، ويسقط اتفاق الإطار ليعيد الصراع إلى نقطة الصفر.
وبين تزمت الشروط الإسرائيلية ورفض حزب الله تقديم تنازلات دون مقابل، تظل تلة "علي الطاهر" تختصر في طياتها صراعاً يتجاوز الجغرافيا اللبنانية ليلامس الخطوط الحمر الإقليمية، وتظل الأيام القليلة القادمة هي الكفيلة بتحديد ما إذا كانت جولة روما المقبلة ستشهد ولادة تسوية قيصرية، أم أن فوهات المدافع على مرتفعات الريحان وسجود ستكون هي صاحبة الكلمة الفصل.