المصدر: نداء الوطن
الكاتب: رفيق خوري
الأربعاء 19 آب 2026 07:56:38
لبنان على موعدين متعاكسين: واحد تحدد أميركا موعده في أيلول لجولة جديدة من المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. وآخر تحدد إيران موعده في وقت ما ضمن انتقال "العقيدة العسكرية من الدفاع إلى الهجوم". الأول مرشح لاستمرار التعثر بسبب حسابات تتجاوز مشكلة التفاوض تحت النار وسياسة التشدد في سباق الانتخابات الإسرائيلية، على الرغم من التهدئة التي يريدها الرئيس دونالد ترامب من أجل الانتخابات الأميركية. والثاني يعاود الشيخ نعيم قاسم التهديد بـ"انفجار الغضب المخزون" وتحميل المسؤولية لمن لا يعرف العمل ويحاول العمل ضد المقاومة وأهل المقاومة". ويعود إلى الإنكار والقول إن "المقاومة قادرة على تغيير المعادلة". وكل شيء يوحي أن الطرفين مصران على استمرار اللعبة نفسها مهما تأثر لبنان بالتعثر في التسوية والاندفاع في القتال.
ذلك أن المسألة ليست قدرة أو عدم قدرة "حزب الله" على تغيير المعادلة. فلو كان قادرًا على إزالة الاحتلال لمنع حدوثه أصلا ووصوله إلى ما بعد الليطاني في حربي إسناد غزة وإيران. ولولا تجدد الاحتلال لبقيت الدولة في ملعب القرار 1701 واتفاق الهدنة ولما ذهبت إلى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركا. وإذا صار "الحزب" قادرًا على إزالة الاحتلال من دون قيد ولا شرط، فإن الأمر لا ينتهي باستعادة الأرض وعودة النازحين وإعادة الإعمار واستمرار الوضع الذي ازداد خطورة بعد حربي الإسناد والتوحش الإسرائيلي، فلا الانسحاب هو نهاية المطاف. ولا ما يحتاجه لبنان هو مجرد وقف النار من دون إنهاء الحرب وضمان النهوض الاقتصادي من الهوة الكبيرة التي وقع فيها.
وليس جديدًا أن يطالب "حزب الله" السلطة بالخروج فورًا من المفاوضات من دون بديل عملي. الجديد هو جرأة الدولة في الذهاب إلى التفاوض كخيار وحيد على الرغم من مشقته، ورفضًا للبقاء في وضع خطير سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا، تمسك فيه إيران وإسرائيل، لا الدولة ولا "الحزب"، بقرار الحرب والسلم. وما يقلق الممانعة هو إمكان أن تنجح المفاوضات في التوصل إلى اتفاق أمني أو "سلام مستدام"، وليس فشلها، فهي تعمل للتفشيل، وتعطي إسرائيل ذرائع إضافية لاستمرار الاحتلال والمماطلة من أجل نضج الظروف التي تسمح لها بإقامة "مناطق عازلة" في الجنوب اللبناني والجنوب السوري وشمال غزة، وقضم الضفة الغربية بالمستوطنات. وما يخيف لبنان هو ستاتيكو الاحتلال والسلاح، وفرض معادلة على الوطن الصغير قوامها اندفاع أطراف داخلية وخارجية مترابطة في مواجهة "خطر السلام" وملاقاة "الرهان على الحرب".
ولا مجال بعد اليوم لخداع النفس بعد خداع الآخرين والانخداع بهم. فالأساس الذي يقوم عليه أي حل في الاتفاق الإطاري هو عمودان متلازمان: انسحاب إسرائيل وسحب سلاح "المقاومة الإسلامية". والمعركة حول العمودين تدور في الإطار الأوسع من الاتفاق الإطاري. معركة الانتقال بعد الانسحاب والسحب إلى وضع جديد تمامًا يتخطى إنهاء الحرب إلى صنع السلام وينهي أي مشروع لقوة مسلحة خارج الدولة ويؤكد بالقوانين والممارسة أن لبنان "وطن نهائي لجميع أبنائه" كما جاء في مقدمة الدستور. ومعركة البقاء في حال حرب دائمة، ولو توقف القتال أحيانًا، وتعزيز سلاح "المقاومة الإسلامية" وارتباطها العضوي بالجمهورية الإسلامية التي هي "توأم الولاية" حسب الإمام الخميني، وبالتالي ممارسة إسرائيل لحرية العمل في لبنان بضوء أخضر أميركي أو من دونه.
صحيح أن سباق الانتخابات يلعب دورًا في التعثر والتشدد على طاولة المفاوضات كما على الأرض. لكن الصحيح أيضًا أن انتظار ما بعد الانتخابات الإسرائيلية والأميركية هو تمارين في العبث لأن شيئًا لن يتغير بعدها إذا بقي الوضع اللبناني على حاله والربط المفروض عليه بالاستراتيجية الإيرانية في مواجهة أميركا وإسرائيل وبالعكس. و "نحن جاهلون للظاهرة الدينية لكننا نتخاطب كأننا عالمون" كما قال محمد أركون.