المصدر: إرم نيوز
الخميس 17 أيلول 2026 18:46:45
كشفت مصادر خاصة لـ"إرم نيوز" أن حزب الله بدأ يتعامل مع انسحاب قوات "اليونيفيل" من جنوب لبنان باعتباره تحولًا قد يعيد رسم خريطة الرقابة الأمنية في الجنوب، ويحدد المواقع الدولية التي يعتبر انتقالها إلى الجيش اللبناني أو إلى قوة بديلة أكثر خطورة على بنيته العسكرية وحركته شمال الليطاني.
وقال مصدر لبناني مطلع لـ"إرم نيوز"، إن حزب الله أجرى تقييمًا لمواقع اليونيفيل المنتشرة في منطقة عملياتها، وصنّفها عمليًا إلى مواقع حساسة وأخرى أقل أهمية، استنادًا إلى موقع كل قاعدة وقدرتها على مراقبة الطرق والممرات والمناطق التي يعتبرها الحزب ذات أهمية أمنية.
وتملك اليونيفيل نحو 50 موقعًا في منطقة عمليات تمتد على مساحة تقارب 1060 كيلومترًا مربعًا، فيما يُفترض أن تبدأ مطلع يناير/ كانون الثاني المقبل، عملية إغلاق تدريجي للمواقع وتسليمها إلى الجيش اللبناني، ضمن مسار الانسحاب المقرر بعد انتهاء التفويض في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2026.
المرتفعات أولًا
وبحسب المصدر، يتركز قلق حزب الله بصورة خاصة على ثلاثة أنواع من المواقع: القواعد الموجودة على المرتفعات، وتلك القريبة من الطرق المؤدية إلى إقليم التفاح، والمواقع التي تمنح قدرة على مراقبة الممرات المتجهة من منطقة جنوب الليطاني نحو مناطق الحزب شمال النهر.
ولا تكمن أهمية هذه النقاط في منشآتها العسكرية بحد ذاتها، وفقًا للمصدر، وإنما في مجال الرؤية الذي توفره وموقعها بالنسبة إلى طرق الحركة، ما يجعل هوية الجهة التي ستتسلمها والصلاحيات التي ستتمتع بها قضية أكثر حساسية بالنسبة إلى الحزب من مجرد انسحاب الجنود الدوليين.
وهنا يضع الباحث السياسي اللبناني علي حمادة، المسألة في سياق أوسع، معتبرًا أن حزب الله لم يكن ينظر إلى اليونيفيل طوال السنوات الماضية باعتبارها تهديدًا مباشرًا لبنيته العسكرية.
وقال حمادة لـ"إرم نيوز"، إن الحزب "تعايش بسهولة وسلاسة بشكل عام مع قوات اليونيفيل"، رغم وقوع احتكاكات محدودة، وتمكن خلال سنوات وجود القوات الدولية والجيش اللبناني من بناء قدرات عسكرية كبيرة في الجنوب.
ويرى حمادة أن منتقدي تجربة اليونيفيل يعتبرون أن القيود التي حكمت عملها جعلت وجودها، إلى جانب الجيش والمؤسسات الأمنية اللبنانية، غير قادر على منع توسع البنية العسكرية لحزب الله، وهو تحديدًا ما يفسر حساسية النقاش الحالي بشأن طبيعة القوة التي ستأتي بعدها.
مخاوف حزب الله
وتكشف معلومات "إرم نيوز" أن اعتراض حزب الله لا يتوقف عند المواقع، بل يمتد إلى تركيبة القوة الدولية المحتملة نفسها، إذ يعترض على مشاركة بعض الجنسيات، وبينها القوات البريطانية والأذربيجانية، في أي ترتيبات أمنية مقبلة، ويرفض بصورة أشد أي صيغة تمنح القوة الجديدة صلاحيات ميدانية لنزع السلاح أو التعامل القسري مع مخازنه وبنيته العسكرية.
وتتقاطع هذه المخاوف مع نقاش دولي أصبح أكثر وضوحًا؛ ففي باريس، يبحث مسؤولون وقادة عسكريون أوروبيون وعرب خيارات مرحلة ما بعد اليونيفيل، وبينها قوة دولية مدعومة من فرنسا وإيطاليا تعمل خارج تفويض الأمم المتحدة، أو مهمة يقودها الاتحاد الأوروبي، مع بقاء طبيعة المهمة وصلاحياتها وإطارها القانوني موضع تفاوض.
وهذه النقطة تحديدًا، بحسب حمادة، تمثل جوهر المشكلة بالنسبة إلى حزب الله. فالحزب، وفق الباحث اللبناني، اعتاد نموذجًا دوليًا تحكمه قيود ميدانية وسياسية واضحة، بينما يدور النقاش الآن حول صيغة مختلفة قد تكون أقرب إلى "يونيفيل بلس" أو قوة متعددة الجنسيات بصلاحيات أوسع.
ويضيف حمادة أن ما تطالب به أطراف دولية وإسرائيلية، ويؤيده جزء من الرأي العام اللبناني، هو وجود قوة قادرة على التعامل بصورة أكثر فاعلية مع السلاح غير الشرعي، بدلًا من تكرار نموذج لم يمنع حزب الله من بناء ترسانته وبنيته العسكرية في الجنوب بعد حرب 2006.
تغيير جذري
ولهذا، بحسب معلومات "إرم نيوز"، يسعى الحزب إلى ضمان ألا يؤدي انسحاب اليونيفيل إلى تغيير جذري في البيئة الأمنية التي عمل ضمنها طوال السنوات الماضية.
ويفضّل الحزب انتقال المواقع الحساسة إلى الجيش اللبناني بدلًا من تسليمها إلى قوة دولية جديدة ذات صلاحيات أوسع، لكنه يبدي حساسية حتى تجاه انتشار الجيش في بعض النقاط المرتفعة إذا ترافق ذلك مع ترتيبات مراقبة أو تبادل معلومات دولية جديدة.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر مع حقيقة أن اليونيفيل نفسها تؤكد أن مواقعها ستُسلّم، خلال عملية الانسحاب، إلى القوات المسلحة اللبنانية.
وهكذا تتحول القواعد الدولية الخمسون من إرث لبعثة بدأت قبل نحو نصف قرن إلى جزء من صراع جديد على شكل جنوب لبنان بعد اليونيفيل، لجهة من يسيطر على المرتفعات؟ من يراقب طرق الحركة؟ ومن يمتلك القدرة على رصد الممرات بين جنوب الليطاني وعمقه الشمالي؟
مخاوف لبنانية
لكن الدولة اللبنانية تنظر إلى الملف من زاوية مختلفة؛ فبيروت وفرنسا تدفعان باتجاه تمديد محدود لمهمة اليونيفيل، محذرتين من فراغ أمني قد ينتج عن خروجها قبل استكمال ترتيبات البديل.
ويقول حمادة إن الدولة اللبنانية تخشى كذلك أن يؤدي خروج اليونيفيل نهائيًا من دون قوة دولية بديلة إلى إضعاف المظلة الدولية المرتبطة بالقرار 1701، أو فتح الباب أمام إعادة النظر في الآلية التي حكمت الوضع في الجنوب منذ 2006.
وهنا تتباعد المخاوف بين الدولة والحزب؛ فالأولى تريد تجنب الفراغ والحفاظ على مرجعية دولية في الجنوب، فيما يريد حزب الله تجنب ولادة قوة أكثر قدرة على الحركة والمراقبة من اليونيفيل.
ولذلك، فإن المعركة المقبلة قد لا تكون حول بقاء الجنود الدوليين أو رحيلهم بقدر ما ستكون حول من يرث مواقعهم، وبأي صلاحيات.
فإذا انتقلت المواقع المرتفعة والحساسة إلى الجيش ضمن الصيغة القديمة، سيكون التغيير محدودًا.
أما إذا أصبحت جزءًا من منظومة رقابة جديدة، مرتبطة بقوة متعددة الجنسيات أو بتبادل استخباراتي ودعم تقني للجيش، فإن المواقع التي تعايش حزب الله معها طوال سنوات قد تتحول إلى واحدة من أبرز أدوات الضغط على حركته العسكرية في الجنوب وممراته باتجاه شمال الليطاني.