المصدر: النهار
الكاتب: روزانا بو منصف
الأربعاء 28 كانون الثاني 2026 07:50:32
دافع لبنان بشراسة في الأسبوعين الأخيرين عن ضرورة بقاء آلية التفاوض عبر لجنة "الميكانيزم"، تفاديا للبديل الذي ينذر بعودة انفلات الوضع الأمني، في ظل تكرار رئيس الجمهورية جوزف عون أن "خيار التفاوض هو البديل من الحرب"، ولكن أيضا دفاعا عن خيار الدولة أن ما تقوم به أكثر فاعلية لحماية سيادة لبنان وحمل إسرائيل على تنفيذ التزاماتها وفق اتفاق وقف النار.
والواقع أن انشغال الأميركيين وإهمالهم مواصلة هذا المسار حتى كأداة مرحلية لتفادي الانفجار في مرحلة حساسة، وقبل نضج أي بديل، يترك فراغا مؤذيا للدولة في ظل منافسة شرسة تخوضها طهران من أجل إبقاء ورقة تفاوضها عبر لبنان، كما هو حاصل أيضا بالنسبة إلى العراق، وكذلك في محاولة لإعادة نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية، فيما توجه واشنطن الرسائل بعواقب ذلك على العراق.
أبلغت الدولة اللبنانية الأميركيين بالأمر، بوضوح وعبر وسائل ومنصات مختلفة، من منطلق أن الزخم الذي انطلق مع "الميكانيزم" خبا، ويمكن أن يفقد كل قوته بما ينعكس سلبا وبقوة على سعي لبنان إلى النهوض، إذ لا يمكنه أن يعيش على وتيرة حسم الكباش الأميركي - الإيراني أو انتظار نتائجه، على نحو يشكل إقرارا أميركيا بأن لبنان يُستخدم ساحة بين واشنطن وطهران.
والتغريدة من السفارة الأميركية عن لقاء بين السفير ميشال عيسى والسفير الأميركي لدى تل أبيب، في الأردن، من أجل دفع الحوار بين لبنان وإسرائيل، أدرجتها مصادر سياسية في هذا الإطار بالذات، في غياب قرار أميركي واضح حول أي آلية مستقبلية. فهناك مقدار كبير من الواقعية في التقليل من أهمية كلام الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم عن خيار الحزب الدفاع عن المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية وقدرات الحزب في هذا الإطار للاعتبارات المعروفة، على رغم كل الكلام المناقض الصادر عنه، ولكن احتمال لجوء النظام الإيرانيّ اليائس عبر الحزب إلى افتعال أزمات خارجيّة لصرف الأنظار عن أزمته الداخليّة، بما قد يهدّد وقف النار الهشّ مع إسرائيل، ليس أمرا مستبعدا.
والحال أن مقاربة ذلك لا تسمح بتجاهل الأسلوب التقليدي للحزب في تحدي الدولة اللبنانية ومسؤوليها وجهودها. إذ إن حديث قاسم عن نيته الانخراط دفاعا عن إيران وخامنئي الذي تناغم مع موقف فصائل عراقية مهددة بتوسيع الصراع في المنطقة، هو على الأرجح محاولة لثني الولايات المتحدة عن توجيه ضربة لإيران، وقد قيل بعد ساعات قليلة على إطلاق وزير الدولة في الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي مبادرة بلاده لمساعدة لبنان تحت عنوان "حان الوقت للتعافي".
كما أن هذا الموقف أعقب مشاركة رئيس الحكومة نواف سلام في منتدى دافوس وزيارته الرئيس إيمانويل ماكرون في باريس وقبيل توجه قائد الجيش إلى واشنطن، على نحو يذكر بنهج الحزب في تفخيخ مساعي رؤساء الحكومة السابقين، لاسيما رفيق الحريري ونجله سعد الحريري لاحقا.
وفيما ينتظر كثر من الحزب، ليس التجاوب مع الجيش اللبناني فحسب، بل الإعلان الصريح عن أنه انطلاقا من التزامه عضويته في الحكومة، فإن قرار الحرب والسلم هو في عهدة الدولة اللبنانية وحدها، في حين يواصل الحزب منافسة قرارات الدولة في ظل سعيه إلى تحويل العهد برئيسه وحكومته إلى إدارة الأزمة في البلد وليس حلها، وهو من يمسك بالقرار اللبناني فعليا وفق ما يوجهه من رسائل في خطاباته.
توازيا، يرى كثر وجوب ألا تسمح واشنطن بفراغ يتيح تقوية منطق إيران وورقتها في لبنان، بدءا من ضرورة العمل على تظهير فاعلية قرار السلطة التنفيذية بخيار التفاوض من أجل تحصيل حقوق لبنان، من خلال تظهير بدء تجاوب إسرائيلي على الأقل، وهو ما تحتاج إليه السلطة السياسية كما الجيش اللبناني، وضمان أكبر مقدار ممكن من الصدقية المحلية من أجل المضي قدماً في جهود نزع السلاح في الشمال، والتي ستشكل تحديات أكبر من تلك الموجودة في الجنوب.
وعلى العكس من ذلك، إذا لم تتمكن الآلية من تحقيق النتائج المرجوة، فمن المرجح أن يفوز "حزب الله" في معركة تجويف القرارات اللبنانية من مضمونها وتعزيز ورقة إيران في المساومة والتفاوض مع واشنطن، فيما تقاوم طهران التزامها الشروط الأميركية للتفاوض، وقد استقوت ببقائها في السلطة على الأرجح، على الرغم من حدّة الاحتجاجات غير المسبوقة وعدم محاسبتها ولو أخلاقيا ومعنويا، على قتل أكثر من 30 ألفا من الإيرانيين، إذا صحت هذه الأرقام.