المصدر: الراي الكويتية
الاثنين 5 تشرين الأول 2026 23:59:02
على عَكْسِ المسافة الجغرافية البعيدة عن اليمن، الذي يستعدّ لـ «فجر» جديد، فإن عناوين معركة «إنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية الإرهابية»، والمكسب الإستراتيجي الذي شكّله استردادُ باب المندب، بدت بيروت وكأنها على «مسافة صفر» مع تحدياتٍ توائم تواجه الشرعيةَ اللبنانية في سعيها إلى استعادة مفاتيح سيادتها وسيطرتها على قرارات الحرب والسلم من يد «ذراع شقيقة» للحوثيين يمثّلها «حزب الله».
وليس وحده التشابه في التوصيفِ والوظيفةِ بين الحوثيين وحزبِ الله، هو الذي فرض اهتماماً عالياً في بيروت بالحدَثِ اليمني، الذي يؤشرُ لوجودِ قرارٍ كبيرٍ إقليميٍّ ودوليٍّ بـ «إنجازِ المهمة»، بل إنَّ أبعادَ هذه العمليةِ الجذريةِ شكّلتْ العنصرَ الأبرزَ في الانشدادِ اللبناني إلى الهجومِ المضادِ الذي أُطلقَ ضدَّ الميليشيا المدعومةِ من طهران والتي أمعنت في عدوانِها الغاشمِ على المملكةِ العربيةِ السعودية، وأرادتْ المساهمة في فَرْضِ طوقٍ على الاقتصادِ العالمي مضادّ للحصارِ الحديدي الذي تواجههُ إيران، وتالياً محاولةَ إرساءِ ردْعٍ في حربِ المضائقِ والبحار.
وأعمق من الهدف البديهي لـ «فجر اليمن»، الرامي إلى مساعدةِ الشرعيةِ على تثبيتِ أقدامِها واستردادِ المناطقِ الخاضعةِ لسيطرةِ الحوثيين وتحريرِ صنعاء، فإنَّ هذه العملية المدعومة من واشنطن وفقَ تصريحاتِ وزيرِ خارجيّتِها ماركو روبيو، تعكسُ أنَّ زمنَ «الدولِ بلا ميليشياتٍ» قد حان، وأنَّ هذا المسارَ المتدحرجَ لا عودةَ عنه، وذلك في سياقِ حمايةِ استقرارِ الإقليمِ وفرضِ احترامِ سيادةِ دولِ المنطقةِ، وإنهاءِ عصرِ اللعبِ بأمنِها القومي والتلاعبِ بمصيرِ شعوبِها.
وإذ تقعُ التطوراتُ المتسارعةُ في اليمن على التقاطعِ نفسِهِ مع حربِ إيران، التي تُفَعِّلُ أذرعَها كخطوطِ دفاعٍ متقدمةٍ عنها، فإنَّ وهجَ المعركةِ ضدَّ الحوثيين طرقَ سريعاً بابَ لبنانَ الذي صار أمامَ هوامشَ أضيقَ في مسارِ حصرِ السلاحِ الذي باتَ استحقاقاً ضاغطاً لا مفرَّ منه.
وفيما ارتسمَ من خلفِ دخانِ «فجر اليمن» سيناريو «آخِر الدواءِ الكيِّ» لإنهاءِ حالةٍ تحوّلت خطراً انتهكَ سيادةَ وأمنَ الإقليم، فإنَّ استبعادَ نموذجٍ مماثلٍ في «بلادِ الأرز» في ما خصَّ سلاح حزبِ الله - في ضوءِ خصوصياتِ الواقعِ اللبناني والعاملِ الإسرائيلي الذي جعلَ الدولةَ بين ناريْ احتلالٍ جديدٍ مرشّحٍ للتوسعِ لأجزاءِ واسعةٍ من الجنوبِ وتَمَسُّكِ الحزبِ بترسانتِه مهما كان الثمنُ الداخلي - لا يقللُ إطلاقاً من التحدي الذي يشكلُه للدولةِ اللبنانيةِ ارتفاعُ راياتِ الشرعيةِ من اليمنِ بالقوة، وصولاً إلى العراقِ بأدواتٍ محليةٍ ناعمة.
وفي موازاةِ حَبْسِ الأنفاسِ حيالَ الخطوةِ التاليةِ المحتمَلةِ للحوثيين، والخشيةِ من اعتمادِهم سياسةَ «وبعدي الطوفان»، كما حيالَ ردِ فعلِ إيران على تحولٍ ينذرُ بارتداداتٍ إضافيةٍ على محورِها المتصدّعِ منذ سقوطِ «جدارِ برلين» السوريّ مع نظامِ الأسدِ البائدِ وضمورِ حزبِ الله عسكرياً في ضوءِ نتائجِ حربيْ 2024 و 2026، فإنَّ لبنانَ بدا أمامَ «ساعةِ رملية» قُلِبَتْ في ما خصَّ ملفَ السلاح، وسطَ اعتبارِ أوساطٍ مطلعةٍ أنَّ على الدولة كما الحزب الاتعاظَ من مشهدِ اليمنِ والمسارعِة إلى الانتظامِ فعلاً لا قولاً فقط تحتَ سقفِ «دولِ الشرعياتِ» التي لا «إشراكَ فيها» سيادياً مع أيِّ مجموعاتٍ خارجَها.
وتُقرُّ هذه الأوساط بأنَّ الدولةَ اللبنانيةَ قد تجدُ نفسَها أمامَ تعقيداتٍ إضافية، هي التي تمسكُ بورقةِ المفاوضاتِ المباشرةِ مع تل أبيب باعتبارِها تحصيناً لمؤسساتِها ومرافقِها ولِما باتَ يوصفُ في الصالوناتِ بأنَّه «لبنان المفيد» من أيِّ عاصفةِ نارٍ إسرائيليةٍ جديدة، وفي الوقتِ نفسِه تُحاذِرُ الاصطدامَ بحزبِ الله لسحْبِ سلاحِه، مُحاوِلةً تفعيلَ إستراتيجيةِ سحْبِ الذرائعِ عبرَ تسريعِ وتيرةِ الانسحابِ الإسرائيليّ جنوباً بموجبِ جدولٍ زمنيٍّ تنفيذيٍّ للاتفاقِ الإطارِ الثلاثيِّ، كي تبررَ وضعَ جدولٍ موازٍ بحصْرِ السلاحِ وفقَ بَرْمَجَةٍ كانت اعتمدت في القراراتِ الحكوميةِ الناظمةِ لهذا الملف (أغسطس وسبتمبر 2025) والتي ارتكزتْ على اتفاقِ الطائفِ (1989) لتأكيدِ أنَّ هذا المسارَ ليس مربوطاً بأيِّ ضغوطٍ أو مطالبَ خارجية، بل بتطبيقٍ متأخرٍ لوثيقةِ الوفاقِ الوطنيِّ.
وتخشى الأوساطُ عَيْنُها، بعدَ أن تفقدَ ورقةُ الحوثيينَ قيمتَها، أن تعاودَ إيران تنشيطَ «ذراعِها الجريحة»، أيَّ حزبِ الله، لمحاولةِ تخفيفِ الأضرارِ وتعزيزِ حظوظِ صمودِها بوجهِ الخَنْقِ الاقتصاديِّ الذي تواجهُه، خصوصاً في ظلِّ التحفّز الإسرائيلي لإكمالِ المهمةِ ضدَّ الحزب، وهو ما كررَه بنيامين نتنياهو اليوم الاثنين، خلالَ إحياء ذكرى هجماتِ السابعِ من أكتوبر، حيثُ أكدَ أنَّ تل أبيب ستواصلُ ضربَ حزبِ الله، مشيراً في الوقتِ نفسِه إلى رغبتِه في إتاحةِ فرصةٍ للسلامِ مع لبنانَ «حيثُ الغالبيةُ الساحقةُ من سكانِه تريدُ السلامَ معنا».
وفي ظلِّ هذه المعطياتِ الشديدة الحساسية التي تشبهُ مخاضاً دخلتْهُ المنطقةَ ويُخشى ألّا ينتهيَ إلا بولادةٍ قيصريةٍ لشرق أوسط جديد، تصبحُ جولةُ المفاوضاتِ العسكرية (برعاية أميركية) بين لبنان وإسرائيلَ في تامبا، فلوريدا، أكثرَ أهمية، وإن كانت بيروت لم تتبلّغْ بعد موعدَها النهائي المرجّح بعد 19 الجاري.
ورغمَ المناخاتِ في بيروت عن أنَّ هذه الجولة من المفاوضات أتتْ بناءً على إلحاحٍ لبناني، خلافاً للحماسةِ الإسرائيليةِ شبهِ المعدومةِ لعقدِها قبل انتخاباتِ الكنيستِ في 27 الجاري، فإنَّ ثمةَ خشيةً من أن تستفيدَ تل أبيب من المحادثاتِ المرتقبةِ لسؤالِ لبنان عن جدولِه الزمنيِّ لسَحْبِ سلاحِ «حزب الله» من كلِّ البلادِ وليسَ من جنوبِ الليطاني، حيث تتولى هي بيدِها تفكيكَ ترسانةِ الحزب وبحيثُ فرّغتْ عملياً الشقَّ المتعلقَ بالجيشِ اللبناني بموجبِ الاتفاقِ الإطارِ الناظمِ للمناطقِ التجريبيةِ التي يتعيّنُ أن تنسحبَ منها تباعاً، والذي يقومُ على سحْبِ السلاحِ ثم منْعِ الحزبِ من العودةِ إلى هذهِ المناطقِ، ولتُرسيَ واقعياً معادلةَ الأرضِ مقابل السلاحِ جنوبَ النهرِ وشماله.
وتحاولُ بيروت تدويرَ الزوايا الحادةِ لهذا العنوان، وتظهيرَ وجودِ وعاءٍ لبنانيٍّ لقرارِ سحْبِ السلاحِ غيرِ مربوطٍ بالاحتلالِ الإسرائيلي - ولا منفصلٍ عنه - ومنبعُهُ اتفاقُ الطائف والمقوماتُ البديهيةُ للدولِ الطبيعية، وذلك في محاولةٍ لتوفيرِ سلّمٍ لحزبِ الله للنزولِ عن شجرةٍ باتَ كلُّ لبنانَ واقعياً عالقاً عليها وتحتَهُ براكين ثائرة.
وفي هذا السياقِ وُضعتْ مواقفُ رئيسِ الحكومةِ نواف سلام، الذي زارَ اليوم الاثنين، رئيسَ البرلمان نبيه بري (وصف اللقاء بأنه كان «ممتازاً») غداةَ إطلالةٍ لافتةٍ على قناة الأخير «إن بي إن» كرّرَ عبرَها سلام ثوابتَه من حصرِ السلاحِ التي أطلقَها خلال زيارتِه لنيويورك وواشنطن كما أثناء محطته البارزة في مدينةِ النبطية، وسطَ التعاطي مع احتضانِ بري له على أنَّه من مَظاهرِ ابتعادِ «الأخ الأكبر» (بري) عن شريكِه في الثنائيةِ الشيعيةِ حزبِ الله.
وقد أكد سلام (عبر ان بي ان) «أن حدود سيادتنا هي حدودنا المعترف بها دولياً، والمطلوب هو الانسحاب الإسرائيلي الكامل إليها»، وقال: «الإطار الذي نتحدّث عنه قائم، بالنسبة إليّ، على مبدأين أساسييْن: التبادُلية والمَرْحلية. لكن ما ينقص هذا الإطار اليوم هو جدول زمني. أريد أن أعرف: متى ستنسحب إسرائيل؟ يجب أن يكون هناك جدول زمني حتى يُترجم هذا الإطار إلى خطوات عملية يراها الناس. في المقابل، عندما نتحدث عن التبادلية، أقول بوضوح إن بسط سلطة الدولة اللبنانية على كامل أراضيها بقواها الذاتية ليس التزاماً جديداً»، لافتاً إلى أن «حصر السلاح أمر اتفقنا عليه منذ عام 1989 في اتفاق الطائف، وأعدنا التأكيد عليه في القرارات الدولية، ثم في إعلان وقف الأعمال العدائية في نوفمبر 2024. ونحن ملتزمون به».
وأكد «لم نربط الانسحاب الإسرائيلي بعملية جمْع السلاح أو تسليم السلاح. بسط سلطة الدولة على كامل أراضيها التزام أخذناه على أنفسنا نحن اللبنانيين، قبل أن يطلبه أي طرف خارجي».
وأضاف: «لا نريد أن نفتح من جديد نقاشاً بدأناه منذ عقود. لقد تحدثنا في حصر السلاح في الطائف. لا وقت لدينا لنضيعه في مفاوضات جديدة حول أمور سبق أن اتفقنا عليها».
وإذ عَكس كلام سلام عن عدم الرغبة في فتح نقاش جديد يتناول ملف السلاح رَفْضَ حوار حوله على شاكلة طاولات التشاور السابقة خصوصاً في 2006 والتي ثبت عقمها، فإن هذا لم يحجب تقارير تحدثت عن أن الدولةَ اللبنانية لا تمانع محاورةَ حزب الله على قاعدة ثوابتها وضمن إطارٍ محدّد الهدف ومحصور في طرفيه، وأنه جرتْ مفاتحة الرئيس بري بهذا الأمر.
ولكن «حزب الله» وبلسان رئيس مجلسه الشيخ علي دعموش حدّد شروطاً مسبقة بإعلانه «لا جدوى من إعادة الحوار مع السلطة، ما لم تتراجع عن قرارات تجريم المقاومة، ونحن مع الحوار المجدي الذي تسبقه بادرة حسن نية وخطوات عملية وليس وعوداً، ومن دون تصحيح المسار المعادي للمقاومة وشعبها الذي اتبعته هذه السلطة منذ البداية وصولاً إلى اتفاق الإطار، لا أمل بتحقيق شيء، وسيبدو أي لقاء من دون معالجة أسباب القطيعة، وكأننا سلمنا بكل النتائج والقرارات والمواقف التي اتخذتها هذه السلطة».