المصدر: لوريان لوجور
الخميس 22 كانون الثاني 2026 13:26:59
نعمة الله إده - لوريان لوجور
عادةً ما تُحسم الأمور بسرعة ومن دون ضجيج. لكن ليس هذه المرّة. فبعد أكثر من أربع سنوات على وفاة الشيخ عبد الأمير قبلان، لا يزال منصب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى شاغرًا. ويأتي ذلك في مرحلة غير مسبوقة تمرّ بها الطائفة الشيعية، تتّسم بتراجع نفوذ حزب الله – الذي لا يحظى أمينه العام نعيم قاسم بإجماع داخل بيئته – وبالتقدّم في سنّ رئيس مجلس النواب نبيه بري. وفي هذا السياق، تُبذل مساعٍ خلف الكواليس لسدّ هذا الفراغ. وتدور نقاشات بين حركة أمل وحزب الله حول الشخصية المحتملة التي قد تتولى رئاسة المجلس، ويمثّل الطرفين في هذه المباحثات النائبان قبلان قبلان وحسن فضل الله، بحسب مصدرين من داخل الفريقين تحدثا إلى صحيفتنا. غير أنّه، ورغم اتفاق أقطاب الطائفة على ضرورة انتخاب (أو تعيين) رئيس جديد للمجلس، فإنهم يعجزون عن التوافق على اسم واحد، على خلفية تباينات بات من الصعب على التنظيمين الشيعيين إخفاؤها.
«بري لا يحبّ ذلك»
تأسّس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في ستينيات القرن الماضي على يد الزعيم الشيعي الراحل موسى الصدر، بوصفه أداة تحرّر للطائفة ومنبرًا للدفاع عن مصالحها. ومع تعزّز الثنائية أمل–حزب الله، تراجع دور المجلس، وهو ما يفسّر بقاءه بلا رئيس طوال أربع سنوات. إلا أنّ الحاجة اليوم تبدو ملحّة لإعادة ضخّ الروح في هذه المؤسسة. ووفقًا للأصول، كان يفترض أن يتولّى علي الخطيب، نائب رئيس المجلس، الرئاسة بعد وفاة الشيخ عبد الأمير قبلان (والد المفتي الجعفري الحالي الشيخ أحمد قبلان). ولا سيما أن خليفتَي موسى الصدر، محمد مهدي شمس الدين ثم عبد الأمير قبلان، شغلا بداية منصب نائب الرئيس قبل تولّيهما رئاسة المجلس.
لكن يبدو أن علي الخطيب محكوم بالبقاء في موقعه الحالي. والسبب يعود، بحسب مصادر متطابقة، إلى نبيه بري الذي يسعى إلى الحفاظ على نفوذه داخل المجلس – بل وتوسيعه – باعتباره تاريخيًا مرتبطًا بحركته. وتشير هذه المصادر إلى أنّ بري يعارض بشدّة انتخاب الشيخ الخطيب، لكونه يُنظر إليه على أنه أقرب إلى حزب الله. ويقول مسؤول شيعي معارض لرئيس المجلس النيابي: «هو لا ينفّذ أوامره… وبري لا يحبّ ذلك». من جهته، يؤكد علي الأمين، المحلل السياسي الشيعي المعارض لحزب الله، أن «مستشاري علي الخطيب مقرّبون من حزب الله»، مضيفًا: «تحوّل المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلى ساحة صراع نفوذ بين أمل وحزب الله، من دون أي رؤية لمصلحة الطائفة: كل طرف يريد إيصال رئيسه».
وبحسب قانون عام 1967، يُنتخب رئيس المجلس من قبل هيئة تضمّ 27 نائبًا شيعيًا، و12 عضوًا مدنيًا، و12 رجل دين. إلا أن معلوماتنا تفيد بأن نواب حركة أمل يعملون حاليًا على إعداد مشروع لتعديل قانون المجلس. ويقضي المشروع، بحسب مصدر شيعي، بحصر انتخاب الهيئة الدينية بعلماء دين تجاوزوا الخمسين من العمر، «وهم بطبيعتهم مؤيّدون لأمل»، إضافة إلى تعيين – لا انتخاب – الأعضاء المدنيين الاثني عشر في الهيئة التنفيذية. وتؤدي هذه التعديلات، وفق المصدر نفسه، إلى «وضع المجلس بالكامل تحت سيطرة بري».
البابا… والبخاري… وعراقجي
يأتي هذا الصراع في سياق أوسع من إعادة توازن القوى بين الحزبين «الشقيقين». فمسألة سلاح حزب الله تعود اليوم لتشكّل خط انقسام واضحًا، بعد أن ظلّت لسنوات مكبوتة عقب اتفاق تقاسم النفوذ الموقّع بين الطرفين في دمشق عام 1990. ويرغب نبيه بري في استكمال ما يعتبره المهمة التاريخية لحركته، أي ضمان تمثيل الطائفة الشيعية داخل مؤسسات الدولة. ومن هذا المنطلق، يبدو أكثر استعجالًا لدفع حزب الله إلى الحوار – أو بالأحرى المساومة – حول مسألة نزع سلاحه، ولا سيما أن ذلك يُعدّ أساسيًا لفكّ الحصار الدولي عن أموال إعادة إعمار المناطق التي دمّرتها الغارات الإسرائيلية، والتي كانت الطائفة الشيعية في طليعة المتضرّرين منها.
وفي دلالة على هذا التباعد، كان بري قد أعطى الضوء الأخضر لتعيين سيمون كرم ممثلًا مدنيًا في «آلية» الإشراف على وقف إطلاق النار مع حزب الله، وهو ما استدعى توبيخًا غير معلن من الحزب، تمثّل برسالة مفتوحة وُجّهت إلى الرؤساء الثلاثة.
وتزداد مصلحة نبيه بري في إبقاء المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى تحت سيطرته، نظرًا إلى احتمال عودته للعب دوره التاريخي كناطق باسم شيعة لبنان. ويشهد على ذلك اللقاء الذي عُقد قبل ثلاثة أشهر مع السفير السعودي في بيروت وليد البخاري، وكذلك اللقاء مع البابا لاون الرابع عشر خلال زيارته التاريخية إلى لبنان في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي. وقبل أسابيع، نظّم المجلس ندوة بعنوان «تطبيق اتفاق الطائف… الإخفاقات والتحديات»، وهو موضوع يتصدّر اليوم النقاش السياسي ومطالب الطائفة الشيعية من النظام القائم. ولافتٌ في هذا السياق تصريح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، خلال زيارته بيروت مطلع كانون الثاني/يناير، بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تعتبر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى «الصوت الرسمي والموحِّد للشيعة» في لبنان، في إشارة بدت وكأنها رسم لحدود النفوذ.
لكن هل سيتمكن حزب الله وراعيه الإيراني من فرض هيمنتهما داخل هذه المؤسسة؟ تقول شخصية شيعية مطّلعة: «في المرحلة الراهنة، يتمتّع بري بتفوّق نسبي على الحزب في أكثر من مجال، وحزب الله ليس في وارد الدخول في مواجهة معه». وإضافة إلى ذلك، فإن المرجعية الدينية للمجلس هي المرجع الأعلى السيد علي السيستاني، أعلى سلطة دينية لملايين الشيعة في العراق والعالم، وليس المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وتختم المصادر بالقول: «حزب الله، الذي يتبنّى عقيدة ولاية الفقيه الإيرانية، لا يستطيع السيطرة على مؤسسة تنتمي إلى مدرسة دينية مختلفة».