قاسم يُمعن في فرض الأمر الواقع... وإشارات إيجابية من واشنطن لاحتواء التصعيد

على ضفّتَي الحدود، مشهدان مختلفان وقاسيان في دلالاتهما. في إسرائيل، تُصنع السلطة وتُحدَّد الخيارات السياسية عبر الأطر الدستورية والمؤسّسات الشرعية، حيث يحتكم المواطن إلى صناديق الاقتراع لمحاسبة حكّامه، إمّا بتجديد التفويض الشعبي وإمّا بسحبه. أمّا في لبنان، فلا تزال الحكومة تخوض صراعًا مع "حزب الله" لانتزاع أبسط مقوّمات دولة المؤسّسات، وفي مقدّمها احتكار قرار الحرب والسلم.

ولعلّ الدرس الذي يجدر بمحور "الممانعة" وبيئته استخلاصه من المشهد الإسرائيلي، هو أنّ الركيزة الأساسية لقوّة الدولة تكمن، قبل كلّ شيء، في ترسيخ ثقافة الديمقراطية، حيث لا تمنح الشعوب قياداتها وحكّامها شيكًا على بياض، ولا تسير خلفها معصوبة الأعين، مهما بلغت قداسة الشعارات التي ترفعها.

وهذا ما يجدر بالأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم أن يتأمّله، بعدما أعلن في بيان أمس أنّه لا يعنيه مَن "يحكم الكيان الإسرائيلي"، فيما يعني اللبنانيين أشدّ العناية مَن حكم عليهم بالموت والتهجير جرّاء حروبه، ومَن يتحمّل مسؤولية الخراب الذي حلّ ببلادهم.

في المقابل، رأى مصدر سياسي رفيع لـ"نداء الوطن" أنّ بيان قاسم "يُشكّل خروجًا فاضحًا عن الإرادة الوطنية الجامعة، وإمعانًا في سياسة فرض الأمر الواقع ومواصلة المغامرات التي لم تجلب للبنان سوى الدمار والتهجير والانهيار". واعتبر أنّ الأخطر في البيان "ليس تكرار المواقف المعروفة لـ"الحزب" فحسب، بل إصراره على وضع قرارات الحرب والسلم وشروط السيادة الوطنية خارج مؤسّسات الدولة وإرادة اللبنانيين، وكأنّ البلاد ملك لفريق يقرّر عنها مصيرها ومستقبل أبنائها". ولفت المصدر إلى أنّ "المطلوب ليس منح إسرائيل أيّ تنازل، بل تمكين لبنان من مواجهة اعتداءاتها بأدوات الدولة والقانون والشرعية الدولية، بدلًا من إبقاء البلاد رهينة معادلات عسكرية مفتوحة لا يملك اللبنانيون قرار إنهائها".

وفيما يتعنّت قاسم في مواقفه من السلاح و"اتفاق الإطار"، تتحرّك المساعي السياسية والدبلوماسية في اتجاه تجنيب لبنان مغامرة عسكرية جديدة. في هذا السياق، علمت "نداء الوطن" أنّ إشارات إيجابية وصلت من واشنطن، حيث أبلغت رئيس الجمهورية جوزاف عون بأنّ إسرائيل لن توسّع عملياتها أو تقوم بأيّ حرب أو نشاط عسكري خارج المنطقة الأمنية، شرط ألّا ينفّذ "حزب الله" أيّ عمل عسكري تجاه إسرائيل، أو يبادر إلى فتح جبهة الجنوب في حال اندلعت حرب مع إيران.

وبناءً على هذه الرسائل، ينصبّ الجهد حاليًا على إقناع "حزب الله" بعدم الانخراط في أيّ معركة محتملة بين أميركا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة ثانية. ويتولّى رئيس مجلس النواب نبيه بري هذه المهمّة، مع العلم أنّ مؤشّرات نجاح مساعيه لإقناع "الحزب" بالحياد ليست مرتفعة.

عون: التفاوض لا الحرب

إزاء هذه التطوّرات، برز تشديد الرئيس على الحوار والتفاوض الدبلوماسي بوصفهما السبيل إلى تحقيق الاستقرار، في موقف يكتسب أهمّية خاصة في ضوء المساعي الرامية إلى منع تجدّد المواجهة العسكرية. وأكّد عون، خلال لقائه خمسة نواب فرنسيين من مجموعة دراسات مسيحيّي الشرق، أنّ "لا حلول آمنة ومستدامة من خلال الحرب، بل من خلال التفاوض الدبلوماسي، لأنّ الحروب لا يمكن أن تحقّق أيّ نتيجة عملية، بل تدمّر وتشرّد وتخلّف قتلى وجرحى، ولا تنهي الصراعات"، مشدّدًا على أنّ "وحده التفاوض الدبلوماسي يمكن أن يحقّق الأمان للدول والشعوب". وعن الترتيبات الأمنية في الجنوب، أكّد رئيس الجمهورية أنّ "لبنان متمسّك ببقاء قوات "اليونيفيل" في الجنوب، أو بإحلال قوات أوروبية مكانها، تكون نواة لقوات من دول صديقة ترغب في مساعدة لبنان والمساهمة في تحقيق الأمن والاستقرار في الجنوب".

رجّي: حصر السلاح خيار وطني

في الإطار الدبلوماسي نفسه، استقبل وزير الخارجية والمغتربين يوسف رجّي الوفد النيابي الفرنسي، وأطلعه على الجهود المبذولة لتحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

وشدّد رجّي على أهمّية القرارات الجريئة التي اتخذتها الحكومة لحصر السلاح بيد الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها. وتناول اللقاء أوضاع القرى المسيحية في الجنوب والتحدّيات التي تواجه أبناءها، حيث دعا رجّي إلى دعم هذه القرى لتمكين أهلها من الصمود والبقاء في أرضهم، مؤكّدًا أنّ استمرار حضورهم فيها يشكّل ركيزة أساسية للحفاظ على التعدّدية والتنوّع اللذين يتميّز بهما لبنان.