لا يمكن اختصار مغادرة "اليونيفيل" جنوب لبنان بالبعد الاقتصادي فحسب، إذ لطالما شكّلت القوة الدولية صمام أمان جيوسياسي وإنساني لأكثر من قرية جنوبية، منذ عام 1978.
يحكى الكثير عن تداعيات تلك المغادرة، فأيّ خيارات أمام الأهالي في القرى؟ وأيّ انعكاسات وهم في عين العاصفة؟
ليس سيناريو المغادرة بالمسار البسيط والسهل، بل يحمل أخطاراً كبرى تضع المنطقة، لا الجنوب وحده، أمام منعطف تاريخي غير مسبوق.
هذه الموجة الارتدادية للمغادرة يتوقف عندها النائب ملحم خلف: "حين أنشئت القوة الدولية وأرسلت إلى الجنوب وفق القرار 425، كان ذلك لأهداف ثلاثة: التأكد من الانسحاب الإسرائيلي، وتحقيق الأمن والسلام الدوليين، ومساعدة الجيش اللبناني على بسط سلطته. لاحقا، ووفق القرار الـ1701، أضيف موجب بسط السيادة اللبنانية على كامل الأراضي، بحيث لا سلطة أخرى غير سلطة الدولة وقوتها الشرعية. أمّا وقد أتى القرار 2790 ليعلن البدء بخفض عديدها وانسحابها، فهو انتزع موجباً واحداً من لائحة طويلة".
وفق خلف، تقوم اللائحة على "موجبات التثبت من الانسحاب الإسرائيلي من المواقع الخمسة، والتثبت من تحقيق الأمن والسلام الدوليين، بل إن اليونيفيل ملزمة تسليم مواقعها إلى الجيش اللبناني. وهنا السؤال: كيف تتحقق هذه الموجبات، فيما الخط الأزرق وحده فيه 33 ثكنة وموقعاً، باتت اليوم تحت الاحتلال؟ إلى من تسلّم؟" ويتدارك: "ما لم تسلّم المواقع إلى الجيش اللبناني، ثمة صعوبة في تنفيذ القرار".
يجيب: "تعني أولاً وأخيراً أننا سنصل إلى تكريس فراغ، ومن هذا الفراغ تبدأ سلسلة طويلة من التداعيات الكبيرة والأخطار الكبرى".
ويرسم السيناريو: "تكريس الاحتلال على أرض يناشد أهلها اليونيفيل البقاء فيها. ثمة تناقض مع شرعة الأمم المتحدة (البند: 1- 2)، ومبدأ الأمن والسلام الدوليين (المادة 24، 99)، ومخالفة لقرارات دولية".
"الاحتلال يبقى محلّه؟" يذهب خلف أبعد من ذلك: "حين نعجز عن التثبّت من الانسحاب الإسرائيلي، نكون كمن نترك الاحتلال يبقى محلّه، ونضرب حصرية الجيش اللبناني ومرجعية الدولة الواحدة والقوية بسلاحها الواحد وقواها الشرعية، أي أننا نترك الدولة أمام احتلال، مع عدم القدرة على ثتبيت الحصرية. وإذا وقعت احتكاكات بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، فمن يتدخل لحلها؟ الاحتكاك قد يتحوّل إلى توتر، فأزمة، فمعركة، فحرب".
لا يقل الشق الإنساني شأناً عن تلك التداعيات. ويسأل: "ماذا سيحلّ بالخط الإنساني الذي يربط القرى بالداخل اللبناني؟ إن اليونيفيل هي العين التي تراقب، وسنكون أمام ترك مهمات إنسانية لحماية مدنيين وقرى بأكملها".
أمام استحالة تنفيذ القرار، على الأمم المتحدة، وفق خلف، "إعادة النظر وإصدار قرار تثبيت وجود هذه القوة، لاسيما أن الجنوب اليوم أمام ظروف موضوعية مختلفة تماما عن السابق، وتحتّم إعادة النظر في المغادرة. أما إذا إرادات أميركا والأمم المتحدة تطبيق اتفاق الإطار، فهو يتحدث عن "عامل استقرار". فهل خروج الأمم المتحدة من الجنوب يشكل عامل استقرار، أو يفتح طريق اللااستقرار؟"
"لا تتركونا" من داخل القرى، صوت واحد للأهالي. رئيس بلدية رميش حنا العميل يرى أن "مغادرة اليونيفيل تسبّب فراغاً. مصيرنا مجهول. لطالما كانت اليونيفيل عامل اطمئنان أمنياً، ومورد رزق معيشياً".
في رميش نحو 60 موظفاً كانوا يعملون مع القوة الدولية، إلى عشرات يعملون بموجب عقود، فأين البديل اليوم؟ وهل من خيارات؟
"لا نريد أن نُترك وحدنا". يرددها العميل، "فوق القلق النفسي، هناك قلق معيشي، والهجرة الاقتصادية ستوصلنا إلى إفراغ القرى. وهذا ما لا نريده".
إلى دبل، حيث يلاحظ مختارها بيار الراعي أن "قرى الشريط الحدودي تشعر بأن اليونيفيل من نسيجها المجتمعي. هناك أكثر من علامة استفهام حول مصيرنا: هل تتأثر القوافل؟ ومن يملأ الفراغ أمنياً؟ حتى مقوّمات العيش عندنا ستتأثر. بالطبع، هم جنود السلام ومغادرتهم ستكون لها انعكاسات".
رسالة واحدة يوجهها هؤلاء إلى الأمم المتحدة والدولة اللبنانية معا: "لا تتركوا الجنوب!"
ماذا يتطلب الأمر؟ أو بالأحرى أين واجب الدولة تجاه الأهالي؟