المصدر: النهار
الخميس 23 تموز 2026 18:33:56
بيروت – 14 حزيران 1985. لم يكن أحد في مطار هيلينيكون في أثينا يتوقع أن الرحلة الرقم 847 التابعة لشركة ترانس وورلد إيرلاينز (TWA) ستتحول بعد دقائق من إقلاعها إلى واحدة من أشهر عمليات خطف الطائرات في القرن العشرين، وأن تصبح نقطة مفصلية في علاقة الولايات المتحدة بلبنان، وسبباً رئيسياً في توقف الرحلات الجوية المباشرة بين البلدين لأكثر من أربعين عاماً.
كانت الطائرة، وهي من طراز بوينغ 727، تقل 145 راكباً وثمانية من أفراد الطاقم، في رحلة اعتيادية من أثينا إلى روما، قبل أن تكمل طريقها إلى الولايات المتحدة.
لكن بعد أقل من عشر دقائق على الإقلاع، انقلب كل شيء.
عماد مغنية... الرجل الذي وضعت واشنطن اسمه في صدارة الملف
رغم أن العملية لم تتبنها أي جهة رسمياً، فإن التحقيقات الأميركية التي تلتها، وملفات وزارة العدل الأميركية ومكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، خلصت إلى أن عماد فايز مغنية كان العقل المدبر لها.
كان مغنية يومها في الثالثة والعشرين من عمره تقريباً، وقد برز بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 داخل المجموعة التي أصبحت لاحقاً النواة العسكرية لـ"حزب الله". وتقول الرواية الأميركية إنه خطط لاختيار رحلة تقل عدداً كبيراً من الأميركيين، مستفيداً من الثغرات الأمنية في مطار أثينا الذي كان يوصف آنذاك بأنه أحد أكثر مطارات أوروبا هشاشة من الناحية الأمنية.
وبحسب المحققين الأميركيين، أُوكل التنفيذ الميداني إلى محمد علي حمادي وعدد من رفاقه، فيما كانت مجموعات مسلحة تنتظر وصول الطائرة إلى بيروت.
"رأيت المسدس... وعرفت أن الرحلة انتهت"
في شهادته بعد إطلاق سراحه، روى قائد الطائرة الكابتن جون تيسترايك أن كل شيء حدث خلال ثوانٍ.
قال إنه رأى أحد الخاطفين يقتحم قمرة القيادة وهو يصوب مسدسه إلى رأسه، فيما كان الآخر يحمل قنابل يدوية ويصرخ مطالباً بالتوجه فوراً إلى بيروت.
أبلغ الطيار الخاطفين أن الوقود لا يكفي للوصول إلى لبنان، لكن الرد جاء حاسماً: "ستصل... مهما كان الثمن".
وبالفعل، نجح تيسترايك في إيصال الطائرة إلى بيروت بعدما حلق بأقل استهلاك ممكن للوقود، وهي خطوة وصفها لاحقاً بأنها كانت من أصعب ما واجهه خلال مسيرته المهنية.
بيروت... بداية الأزمة لا نهايتها
عند هبوط الطائرة في مطار بيروت، فوجئ أفراد الطاقم، وفق شهاداتهم، بوجود سيارات ومسلحين يحيطون بالطائرة. تم تزويدها بالوقود سريعاً، وصعد إليها مسلحون آخرون، بينما أُفرج عن عدد من النساء والأطفال، قبل أن تقلع مجدداً نحو الجزائر.
لكن تلك لم تكن الرحلة الأخيرة.
فخلال الأيام التالية، تنقلت الطائرة ست مرات بين بيروت والجزائر، في مشهد غير مسبوق، بينما كانت شاشات التلفزة العالمية تنقل صورها لحظة بلحظة.
اللحظة التي صدمت الولايات المتحدة
في العودة الثانية إلى بيروت، بدأ الخاطفون بالتدقيق في جوازات السفر، بحثاً عن الأميركيين، وخصوصاً العسكريين.
كان بينهم الغطاس في البحرية الأميركية روبرت دين ستاثم.
حاول بعض الركاب إخفاء هويته العسكرية، لكن المحاولة فشلت. اقتيد الشاب الأميركي إلى مقدمة الطائرة، حيث تعرض للضرب المبرح، قبل أن تُطلق عليه النار.
وتتهم الولايات المتحدة محمد علي حمادي بإطلاق النار عليه، ثم إلقاء جثته على مدرج مطار بيروت.
قال أحد الرهائن لاحقاً إن الصمت خيم على الطائرة بعد تلك الجريمة، وإن الركاب أدركوا أن حياتهم أصبحت رهناً بقرار الخاطفين في أي لحظة.
أما الكابتن تيسترايك، فقال بعد الإفراج عنه إن تلك كانت أصعب لحظة عاشها طوال الأزمة، لأنها أظهرت أن الخاطفين مستعدون لتنفيذ تهديداتهم. من داخل الطائرة إلى شقق بيروت لم يبق الرهائن داخل الطائرة.
فمع استمرار المفاوضات، أُنزل عشرات الأميركيين منها، ونقلوا إلى شقق ومنازل في الضاحية الجنوبية لبيروت ومناطق أخرى، حيث ظلوا محتجزين تحت حراسة مشددة.
وروى عدد من الرهائن بعد إطلاق سراحهم أنهم كانوا يُنقلون معصوبي الأعين بين أماكن الاحتجاز، ولم يكونوا يعرفون أين هم، أو ما إذا كانوا سيعودون أحياء.
وفي المقابل، أصبحت الطائرة شبه فارغة، بينما تحولت الأزمة إلى مفاوضات سياسية وأمنية معقدة.
طالب الخاطفون بالإفراج عن مئات المعتقلين اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، ولا سيما في معتقل عتليت.
ورفض الرئيس الأميركي رونالد ريغان التفاوض مباشرة مع الخاطفين، فيما تولت الجزائر وسوريا ووسطاء لبنانيون إدارة الاتصالات.
وبرز رئيس حركة أمل آنذاك نبيه بري بوصفه الوسيط اللبناني الأبرز، إذ قاد سلسلة اتصالات ساهمت في منع إعدام المزيد من الرهائن، وصولاً إلى إطلاق سراحهم جميعاً في 30 حزيران 1985، بعد 17 يوماً من الأزمة.
مطاردة استمرت أكثر من عقدين
بعد انتهاء العملية، وضعت الولايات المتحدة عماد مغنية في صدارة قائمة المطلوبين لديها، واتهمته بالوقوف وراء سلسلة من أبرز العمليات التي استهدفت المصالح الأميركية في لبنان خلال الثمانينيات.
كما اتهمت محمد علي حمادي وحسن عز الدين وعلي عطوة بالمشاركة في خطف الطائرة، وأدرجت أسماءهم على لوائح المطلوبين.
وفي عام 1987، اعتقلت السلطات الألمانية محمد علي حمادي، وحكمت عليه بالسجن المؤبد قبل الإفراج عنه عام 2005 وترحيله إلى لبنان.
أما عماد مغنية، فبقي متوارياً عن الأنظار حتى اغتياله في دمشق في شباط 2008، في عملية اتهم "حزب الله" وإيران إسرائيل بالوقوف وراءها.
الرحلة التي غيّرت تاريخ الطيران
لم يكن أثر الرحلة 847 محصوراً بخطف طائرة أو احتجاز رهائن
ففي واشنطن، أصبحت العملية مرجعاً أساسياً عند كل نقاش يتعلق بأمن الطيران في لبنان. وأعادت السلطات الأميركية النظر في سياساتها تجاه مطار بيروت، ومع استمرار التدهور الأمني وعمليات احتجاز الرهائن في الثمانينيات، توقفت الرحلات الجوية المباشرة بين الولايات المتحدة ولبنان، وبقيت معلقة لأكثر من أربعة عقود.
وبينما يعود الحديث اليوم عن إعادة تشغيل هذا الخط، يبقى اسم TWA 847 حاضراً في الذاكرة الأميركية، باعتباره الرحلة التي غيّرت ليس فقط مصير ركابها، بل أيضاً مسار العلاقات الجوية بين بيروت وواشنطن لعشرات السنين.