قطر في لبنان: زيادة دعم الجيش وإعادة الإعمار والاستثمار

في لحظة لبنانية دقيقة، تتراكم فيها الأزمات وتضيق هوامش المناورة إلى حدّها الأدنى، يصل إلى بيروت اليوم الإثنين وزير الدولة في وزارة الخارجية القطرية محمد بن عبد العزيز الخليفي، على رأس وفد رسمي، في زيارة تتقدّم بوصفها محطة عمل فعلية، لا مجرّد جولة بروتوكولية.

الزيارة، وفق المعطيات، مصمَّمة لتشريح المشاريع المطروحة ووضعها على مسار التطبيق، من خلال نقاش مباشر مع المسؤولين اللبنانيين، في محاولة لنقل الدعم من مستوى العناوين إلى آليات التنفيذ. ومن المقرّر أن يلتقي الوفد القطري الرؤساء الثلاثة، إضافة إلى قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في برنامج يعكس رغبة الدوحة في تثبيت دعمها ضمن الإطار الدستوري والمؤسساتي للدولة اللبنانية.

 

480 مليون للاسثمار

بحسب المعلومات، اتخذت الحكومة القطرية قرارًا بتخصيص نحو480 مليون دولار أميركي لمشاريع واستثمارات تشرف عليها الوزارات المعنية، على أن تُسلَّم المساعدات تدريجيًا، وفق برامج تنفيذ واضحة، بما يربط التمويل بالقدرة الفعلية على الإنجاز.

وفي السرايا الحكومية، وبحضور رئيس الحكومة نواف سلام والوزراء المختصين، سيُعقد اجتماع مطوّل تُعرض خلاله حاجات الوزارات واحدة تلو الأخرى: من الكهرباء إلى الأشغال، ومن الشؤون الاجتماعية إلى الدفاع. عرض يُفترض أن يشكّل اختبارًا لقدرة الحكومة على الانتقال من تشخيص الانهيار إلى تحديد الأولويات.

 

الجنوب واللاجئون السوريون

في قلب المحادثات، يحضر ملف اللاجئين السوريين، بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية وتعقيدًا. المقاربة المطروحة لا تنطلق من منطق الضغط أو الخطاب الشعبوي، بل من معالجة عملية تقوم على دعم عودتهم إلى سوريا عبر تأمين مساعدات لهم داخل الأراضي السورية، بالتوازي مع البحث في توفير مساكن جاهزة للاجئين الذين سيعودون.

ومن هذا الباب الاجتماعي، الذي يتقاطع مباشرة مع الاستقرار الداخلي، ينتقل البحث إلى الجنوب اللبناني، الذي يعود بدوره إلى صدارة الاهتمام القطري. فكما بعد حرب تموز 2006، تتحضّر الدوحة للمباشرة بإعادة إعمار 3 قرى مدمّرة، في خطوة تحمل بعدًا رمزيًا وعمليًا في آن، وتُقدَّم بوصفها استثمارًا في الاستقرار، لا مجرّد ورشة إعمار.

وفي هذا السياق، يُرجَّح أن تواكب شركة أميركية عملية الإعمار وتشرف عليها، في إطار يهدف إلى ضمان المعايير التقنية والشفافية، وتحييد الملف عن التجاذبات السياسية.

 

الجيش اللبناني: دعم ثابت في زمن التآكل

على الخط الأمني، يلتقي الوفد القطري قائد الجيش العماد رودولف هيكل، في محطة تُعيد التأكيد أن دعم المؤسسة العسكرية يشكّل أحد أعمدة السياسة القطرية تجاه لبنان.

خلال السنوات الثلاث الماضية، قدّمت الدوحة نحو 300 مليون دولار لدعم رواتب العسكريين، ولا تزال مستمرة في هذا الدعم، إضافة إلى مساهمتها في تأمين المحروقات للمؤسسة العسكرية، في وقت تتآكل فيه مقدّرات الدولة، وتُترك المؤسسات الأساسية في مواجهة مصيرها.

ولا يتوقف الدور القطري عند الزيارة الحالية. فلقطر مساهمة أساسية، سياسيًا وماليًا، في مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرّر في الخامس من آذار المقبل في باريس، حيث يُنتظر أن تكون من أبرز الداعمين لتحصين المؤسسة.

في بلد أنهكته الفرص الضائعة، تبقى الكرة في ملعب الدولة اللبنانية: إمّا أن تلتقط هذا الدعم وتحوّله إلى مسار إنقاذ فعلي، أو أن تُضيفه إلى أرشيف المبادرات التي مرّت… ولم تُغيّر شيئًا.