قطر ومسار وقف الحرب: لبنان وسوريا تكامل لا وصاية

كانت المبادرة التي أطلقتها دولة قطر بشأن لبنان، جزءاً من مبادرة أوسع لها صلة بالمساعي التي تبذلها الدوحة بالتنسيق مع عواصم دول الخليج وعواصم إقليمية لأجل تضييق الفجوات بين واشنطن وطهران، ومنع تجدد الحرب ووضع إطار واضح للوصول إلى اتفاق. خلال الضربات التي أمر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بشنّها على إيران، كان وفد قطري يبحث مع المسؤولين الإيرانيين في كيفية تضييق الفجوات، حول فتح مضيق هرمز، الإفراج عن الأموال المجمدة، وترتيب الآلية التفاوضية على مدى ستين يوماً للوصول إلى اتفاق نهائي حول الملف النووي. نجحت قطر في إنجاز ترتيبات عديدة تتصل بالاتفاق حول الإفراج عن الأموال المجمدة، وفتح هرمز، إضافة إلى لعب دور أساسي كي تكون دول الخليج شريكة في أي اتفاق مع إيران بخلاف ما حصل سنة 2015. 

 

الدوحة تبادر لوقف حرب لبنان

إلى جانب هذا التحرك، كانت قطر تتحرك على خط الملف اللبناني، ذلكَ انطلاقاً من قناعة أنه لا يمكن ترك لبنان وحيداً، كما أن القراءة الواقعية تشير إلى استحالة فصل لبنان عن المنطقة ومسار باكستان. من هنا كانت الدوحة قد بادرت، وفي الكواليس باتجاه السعي للوصول إلى صيغة لتثبيت وقف الحرب الإسرائيلية على لبنان، وهو ما جرى تنسيقه مع السعودية، تركيا، والولايات المتحدة الأميركية أيضاً. خصوصاً أن هذه الدول كلها تجتمع على فكرة ضرورة حماية لبنان في مواجهة المشروع الإسرائيلي الذي يشكِّل خطراً على المنطقة ككل، بما في ذلك سوريا أيضاً. 

 

على وقع التحركات التي شهدتها الكواليس، بقي لبنان في صُلب المحادثات، بينما الاتصالات والمشاورات، شملت كلاً من السعودية، تركيا، وسوريا إلى جانب الولايات المتحدة خصوصاً في ظل المساعي لإعادة توضيح البيان الثلاثي الذي صدر في ختام الجولة الرابعة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية برعايةٍ أميركية. هنا، برز القرار السعودي بإعادة السماح باستقبال الصادرات اللبنانية، وتُرجم سياسياً بزيارة للموفد السعودي إلى لبنان يزيد بن فرحان الذي التقى بالرؤساء والمسؤولين، على قاعدة حماية الاستقرار وتعزيز العلاقة بين الرؤساء الثلاثة والبحث عن صيغ للتقريب فيما بينهم وتوحيد الموقف. في موازاة ذلك، برز أيضاً تصريح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن ضرورة حماية لبنان كما سوريا من الخطر الإسرائيلي. 

 

 علاقة بيروت ودمشق.. تحالفٌ بعيد عن الوصاية

في المقابل، كان هناك من يعود إلى تسريب الأخبار عن التدخل السوري في لبنان وضدَّ حزب الله، علماً أن سياق المنطقة وتطوراتها لا يشير إلى ذلك، خصوصاً أن أي زائر إلى دمشق، وخلال لقائه المسؤولين ولا سيما الرئيس الانتقالي أحمد الشرع ينقل رسائل إيجابية جداً تجاه لبنان، تحمل كل إشارات الطمأنة والاستعداد للتعاون وفتح آفاق جديدة والدخول في استثمارات مشتركة، وحماية الحدود، وهذه الرسائل نُقلت مؤخراً إلى مسؤولين لبنانيين. هنا لا يمكن إغفال أدوار السعودية، قطر وتركيا في العمل على تقريب وجهات النظر بين البلدين، إضافة إلى العراق أيضاً الذي يشهد تطوراً سياسياً على خط حصر السلاح بيد الدولة، وهو ما يُراد له أن يتحقّق في لبنان، من خلال التفاهم بين اللبنانيين، وقيام الدولة بدورها لكن من دون الدخول في صدام. وهنا يقول الشرع بوضوح إن لبنان لا يحتمل المزيد من الضغوط، وملف السلاح يحتاج إلى معالجة بالتوافق وليس من خلال الدخول في صدام داخلي. 

 

ما يُنقل عن الشرع أيضاً، أنه لا يتعاطى مع لبنان وفق عقلية النظام القديم، بل نظرته هي علاقة تحالفية وتكاملية، لا وصاية فيها لطرف على الآخر، ولا يتدخل أي طرف بشؤون الطرف الآخر، مع التشديد والحرص على حرص البلدين على أمن بعضهما بعضاً، واستمرار التنسيق لأجل ضمان تحقيق هذه النتيجة. يأتي هذا الكلام رداً على كل ما يجري تسويقه حول دخول سوريا للقتال ضد حزب الله، مع العلم لدى مختلف الجهات أن ذلك سيفتح جروحاً لا تلتئم، ويدخل البلدين في حرب استنزاف طويلة، لا يستفيد منها إلا إسرائيل التي تسعى إلى إعادة إحياء الفتنة السنية الشيعية وتفتيت المنطقة. 

 

بالنسبة إلى السوريين، فإن دمشق اليوم لديها طموحات كبيرة وبعيدة المدى، وهذا يُحتِّم عليها أن تكون واحة استقرار، لاستقطاب الاستثمارات، وكي تتحول إلى نقطة مركزية واستراتيجية في خطوط التجارة العالمية، ذلكَ يدفعها إلى التعاطي بإيجابية مع لبنان كما مع الدول الأخرى وتجنّب الحروب. كما أن سوريا تمثّل أهمية استراتيجية لدول الخليج كما لتركيا في أية مشاريع مستقبلية على مستوى خطوط التجارة، الاستثمارات، وأنابيب النفط والغاز، وهذا ما يعني أنه لا يمكنها الدخول في حروب. 

 

تقاطعات إقليمية لحماية لبنان

في الوقت الذي تسعى فيه سوريا لتحييد نفسها عن الحروب، لا يزال لبنان يجد نفسه في قلب الحرب الإسرائيلية التي يتعرّض لها، يبحث المسؤولون فيه عن صيغة لوقفها، تساعدهم في ذلك دول عديدة، بهدف وضع حد للمشروع الإسرائيلي. تسعى هذه الدول للبناء على تقاطعات إقليمية تسهم في فرض وقف النار، وحماية الكيان اللبناني، كي لا يكون تشظيه أو غلبة إسرائيل فيه مقدمة لتشظية كيانات أخرى أو تحقيق غلبة على دول المنطقة. هنا يجد لبنان نفسه بحاجة إلى كل تلك التقاطعات الإقليمية لحماية نفسه، وهو بأمسِّ الحاجة إلى تقاطع مصالح عربية، وخليجية بالتحديد، مع تركيا، وسوريا ومسار إسلام أباد، لأجل وقف النار وتأمين عودة الأهالي إلى بلداتهم ومنازلهم، إضافة إلى تطوير مسار العلاقات مع سوريا، وسط مساعٍ تُبذل على أكثر من صعيد لعقد لقاء بين الرئيسين جوزاف عون وأحمد الشرع، يضع حدّاً لكل التأويلات أو لكل ما يُنسج من "مكائد ومؤامرات".

 

تبقى إسرائيل أكثر المتضريين من أي اتفاق أو وقف للحرب سواء على إيران أو في لبنان. فالحرب مصلحة نتنياهو واستمراريته، ومنها يريد الدخول إلى انتخاباته. أما الآخرون فيمكنهم التسلل من ثغرة التضارب بين مصلحة ترامب الانتخابية التي تحتم عليه وقف الحروب، ومصلحة نتنياهو الذي يريد تأبيد هذه الحروب، ذلكَ لانتزاع وقف نار شامل يشكل حصانة لهذه الدول في مواجهة إسرائيل. وإذا كان هذا التآلف العربي، الإقليمي الدولي يمكنه أن يشكل حصانة للبنان بمواجهة الحرب الإسرائيلية، كما تشكيل التقاطعات الإقليمية والدولية حصانة لوقف الحرب الأميركية الإسرائيلية في المنطقة، فإن ذلك يدفع سوريا لتكون هي الطرف الضامن للنسيج اللبناني وللشيعة خصوصاً في البقاع كما في كل لبنان، فتكون هي ضمانتهم لا عنصر التهديد لهم.