المصدر: Kataeb.org
الكاتب: فرنسوا الجردي
الأحد 21 حزيران 2026 15:12:42
لم يكن كارل روجيه عبد الملك سوى شاب لبناني في مقتبل العمر، يحمل أحلامه البسيطة على دراجته النارية، ويبحث كما يبحث آلاف الشباب عن مستقبل أفضل في وطن أنهكته الحروب والانقسامات. نشأ في بيئة مسيحية مسالمة، وتربى على قيم المحبة والعائلة والعمل والحياة. لم يكن مقدّراً له أن يتحول اسمه إلى رقم جديد في سجل الضحايا الذين ابتلعتهم حروب الآخرين على أرض لبنان.
سقط كارل على طريق الجنوب بضربة مسيّرة إسرائيلية، لكن المأساة لا تنتهي عند لحظة مقتله. فالمشهد الأكثر إيلاماً هو أن هذا الشاب المسيحي الذي وُلد في عائلة مسيحية وربما كان يفترض أن يُودَّع بصلوات كنيسته ودموع أهله وأصدقائه، وجد نفسه يُقدَّم في مراسم حزبية وعقائدية لا تشبه البيئة التي خرج منها ولا المسار الطبيعي لحياته.
إنها صورة تختصر مأساة لبنان بأكملها. وطن يفترض أن يزرع في شبابه الأمل والعمل والنجاح، فإذا به يسلّمهم إلى مشاريع الموت والحروب المفتوحة. وطن يحتاج إلى مهندسين وأطباء ومعلمين ورواد أعمال، لكنه يستيقظ كل يوم على نعوات شباب كان يفترض أن يكونوا في الجامعات أو المصانع أو الشركات، فإذا بهم يتحولون إلى صور معلقة على الجدران.
السؤال الذي يوجع كل ضمير حي ليس كيف مات كارل فقط، بل لماذا وصل إلى هذا المصير؟ كيف يُقنع شاب في عمر الورد بأن طريق البطولة يمر عبر ساحات الحرب لا عبر ساحات الحياة؟ كيف تتحول أحلام الشباب إلى وقود لصراعات تتجاوز حدود لبنان ومصالح اللبنانيين؟ وكيف يصبح الموت مشروعاً يُسوَّق للأجيال الجديدة فيما الهجرة والفقر والبطالة تنهش ما تبقى من أحلامهم؟
إن أخطر ما أصاب لبنان خلال العقود الماضية ليس الدمار المادي وحده، بل ثقافة تمجيد الموت على حساب ثقافة الحياة. فالأوطان تُبنى بالأحياء لا بالشهداء فقط، وتنهض بالعقول المنتجة لا بالمقابر المتسعة. وما من أمّ أنجبت ابنها كي تراه يعود إليها ملفوفاً بعلم أو شعار حزبي، بل كي تراه زوجاً وأباً وناجحاً ومزدهراً.
لقد خسر الجنوب الكثير من شبابه، وخسر لبنان أكثر. آلاف العائلات دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها، فيما بقيت الأزمات نفسها تتكرر، وبقيت القرى مدمرة والناس مهجرة والاقتصاد منهاراً. فماذا جنى لبنان من هذا النزف المستمر سوى المزيد من الأحزان؟
قصة كارل ليست مجرد حادثة فردية، بل هي جرس إنذار جديد. إنها صرخة موجعة تدعو اللبنانيين جميعاً إلى إعادة النظر في مستقبل أبنائهم. فالشباب ليسوا وقوداً للمحاور الإقليمية، ولا أدوات في صراعات الدول، ولا مشاريع شهداء دائمين. الشباب هم ثروة لبنان الحقيقية، وإذا استمر استنزافهم في الحروب فلن يبقى لهذا الوطن ما يدافع عنه أو يبنيه.
رحم الله كارل روجيه عبد الملك، ورحم كل شاب لبناني سقط ضحية صراعات أكبر منه. وليكن رحيله مناسبة للتساؤل بصدق: كم شاباً آخر يجب أن نخسر قبل أن نختار الحياة بدل الموت، والدولة بدل الميليشيا، والوطن بدل المشاريع العابرة للحدود؟
إن لبنان لا يحتاج إلى مزيد من القبور... بل إلى مزيد من الأمل.