كانت "اليونيفيل" في لبنان حلّاً لعصرٍ مختلف

استضافت فرنسا الأسبوع الماضي اجتماعاً متعدد الطرف لتقييم احتياجات "القوات المسلحة اللبنانية" وتنسيق الدعم الدولي الرامي الى تعزيز قدراتها. وفّر هذا الاجتماع فرصةً جيدة للبدء في سد فجوة حاسمة في النهج الدولي.

ففي العام الماضي مدّدت السلطات ولاية "اليونيفيل" في لبنان للمرة الأخيرة حتى 31 كانون الأول 2026. بعد ذلك ستبدأ عملية انسحاب منظمة. وعند الإعلان عن هذا القرار حدّد مجلس الأمن صراحةً الهدف الإستراتيجي لفترة ما بعدها: جعل الحكومة اللبنانية "المزوّد الوحيد للأمن في جنوب لبنان". ما ذلك لم تُحدّد الآلية اللازمة لتحقيق هذا الهدف. في الوقت نفسه شهدت الأشهر الأخيرة نشوء فرصة ديبلوماسية بين إسرائيل ولبنان، إذ تحوّلت الجهود الرامية الى معالجة الوضع الأمني العاجل الى قناة مباشرة لإجراء محادثات أوسع نطاقاً. وجرت بالفعل سبع جولات من المناقشات التي توسطت فيها الولايات المتحدة، ومن المتوقع عقد جولات أخرى. بلغت العملية مرحلة مهمة أخرى في 26 حزيران الماضي عندما وقّعت الحكومتان أهم اتفاق ثنائي بينهما منذ عقود. إن وجود قناة اتصال مستدامة ومباشرة وإمكانية التقدم نحو اتفاق أوسع نطاقاً يخلقان فرصةً لم تُتح لإسرائيل ولبنان منذ أكثر من أربعين عاماً.

لا يقتصر هدف إطار عمل حزيران على مجرد تحقيق الإستقرار في الوضع الحالي فحسب، بل يهدف أيضاً الى إرساء الأساس لإتفاق شامل للسلام والأمن. وتربط شروطه بين إعادة الإنتشار التدريجي للقوات الإسرائيلية ونشر قوات الجيش اللبناني في المناطق المحتلة سابقاً، ونزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية ولا سيما "حزب الله" وتفكيك مؤسساتها العسكرية والمدنية. واستعادة السيادة اللبنانية الكاملة. لم تُتح هذه الفرصة بفضل العملية الديبلوماسية فحسب بل أيضاً بفضل التغيير الجذري في البيئة الإستراتيجية للبنان. إذ تم إضعاف "حزب الله" بشكل ملحوظ. ويقود الحكومة الآن رئيس ونائب رئيس مستعدان لتحمل المخاطر السياسية من أجل إستعادة السيادة الحقيقية بطرق لم تكن ممكنة عندما كان "حزب الله" يمارس سيطرةً خانقة على الدولة. هذه الفرصة حقيقية لكنها هشة. فنجاح المساعي الديبلوماسية سيعتمد على عوامل عدة مثل حرمان "حزب الله" من الوصول الى أموال إعادة الإعمار وطرد الضباط العسكريين الإيرانيين الذين وجهوا عمليات الحزب خلال السنوات الثلاث الماضية من الحرب. يُعد تغيير الواقع الأمني في الجنوب خطوة أولى حاسمة في هذه العملية. 

كيف يتم ذلك؟ بإعادة تصور النموذج الأمني، يجيب باحث جدي في مركز أبحاث مهم مركزه واشنطن إذ ينبغي النظر الى إنتهاء ولاية "اليونيفيل" الوشيك في هذا السياق. لا يعني ذلك أن المجتمع الدولي ينسحب من لبنان. بل يجب النظر اليه كفرصة لاستبدال نموذج أمني غير ملائم للواقع الحالي بآلية دولية جديدة مركّزة وموقتة. الأمر الحاسم هو أن الغرض من هذه الآلية ليس مجرد مراقبة التطورات في الجنوب بل المساعدة لتغييرها. على مدى نحو خمسة عقود سعت "اليونيفيل" الى لعب دور في تحقيق الإستقرار هناك لكن فاعليتها كانت محدودة.

ورغم أنها أبقت قنوات الإتصال مفتوحة بين الجانبين وحافظت على وجود دولي، فإنها فشلت في منع "حزب الله" من بناء بنية عسكرية تحتية واسعة النطاق وتطوير قدرات عسكرية في كل أنحاء الجنوب. لم توجد الحرب الأخيرة أوجه القصور هذه، بل كشفت مدى عدم كفاية النموذج الحالي على مدى سنوات عدة. وبدلاً من محاولة الحفاظ على "اليونيفيل" أو تكرارها تتمثل المهمة الآن في إنشاء آلية دولية إنتقالية تركّز على نقل المسؤولية الأمنية الى الدولة اللبنانية وبناء قدرات القوات المسلحة اللبنانية على ممارستها.

لسنوات طويلة ظلّ المشكل الأساسي من دون تغيير. ظل "حزب الله" يعمل كمنظمة "إرهابية" مسلحة في الجنوب وأنحاء أخرى من البلاد، ويمتلك قدراته العسكرية الخاصة وأنظمة أسلحته وبنيته التحتية ونظم القيادة والسيطرة الخاص به خارج نطاق سلطة الدولة. اذا استمر هذا الوضع فلن يتمكن أي وجود دولي في لبنان من تعزيز السيادة اللبنانية الحقيقية. ومن ثم لم يعد مجرد مراقبة الوضع الأمني كافياً.

من يجب أن يساعد ومن يدفع؟ يجيب الباحث نفسه: ينبغي أن تقود واشنطن هذا الجهود من خلال تعيين قائد أميركي لقيادة آلية الإنتقال والتنسيق بين الدول المشاركة. ومن شأن إضافة ضابط رفيع المستوى من السعودية والإمارات أن يضفي على هذا الجهود بعداً عربياً ملموساً دون الحاجة الى وجود عملياتي خليجي كبير. يمكن لفرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا المساهمة بالخبرة العسكرية والتدريب والمعدات لوحدات الجيش اللبناني التي خضعت للتدقيق. كما يمكن للإتحاد الأوروبي ودول الخليج واليابان وجهات مانحة أخرى توفير تمويل وموارد إضافية. يجب تغيير نموذج التمويل العام. لا يعني ذلك مجرد تحويل ميزانية اليونيفيل الى حسابات القوات المسلحة اللبنانية. 

يجب ربط الدعم الدولي بإداء قابل للقياس من جانب القوات المسلحة اللبنانية بحيث يؤدي إتخاذ إجراءات فاعلة على الأرض الى توفير المزيد من التدريب والتمويل على ثلاث مراحل:

-    بناء وحدات مختارة من الجيش اللبناني ورسم خريطة شاملة للبنية التحتية العسكرية لـ"الحزب" وإعداد خطة منظمة للنشر التدريجي للجيش ولإزالة البيئة المذكورة.

-    ينبغي توسيع مسؤوليات الجيش اللبناني في المرحلة الثانية، ولا يعني ذلك نشراً مكثفاً لها في كل أنحاء الجنوب.

-    تُستكمل المرحلة الثالثة بنقل المسؤولية الأمنية الى القوات المسلحة اللبنانية في الوقت الذي تقلص الآلية الدولية وجودها تدريجياً. ولا ينبغي نشر قوات أجنبية في كل أنحاء جنوب لبنان. فدورها يركّز على التدريب والتجهيز ودعم التنفيذ، ووضع خطة عمل ومتابعة تنفيذها، وتنسيق تدريب القوات المسلحة اللبنانية ونشرها، والإشراف على التنفيذ طوال فترة الإنتقال.

سيظل "الخط الأزرق" الذي حددته الأمم المتحدة نقطة مرجعية أساسية في تشكيل المناقشات الإسرائيلية – اللبنانية ومنع الإحتكاك. وتحدّد خطة الإنتقال مستقبل منشآت "اليونيفيل". وكانت الأخيرة حلاً لعصر مختلف والقوات المسلحة اللبنانية يمكن أن تكون جسراً نحو حقبة جديدة تتطوّر فيها القنوات الديبلوماسية الناشئة بين إسرائيل ولبنان الى إتفاق شامل للسلام والأمن.